محمد بن محمد حسن شراب

108

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري

البيت لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدته العينية المشهورة في رثاء أولاده ، ورقم البيت ( 27 ) في القصيدة . وقوله : وردن الماء ، يتحدث عن أتن وردت الماء . والعيوق : كوكب . والمقعد : مكان القعود هنا . والرابىء : مهموز الآخر ، اسم فاعل من ربأبهم ، بمعنى علا وارتفع وأشرف ، ورابىء الضرباء : هو الذي يقعد خلف ضارب قداح الميسر ، يرتبىء لهم فيما يخرج من القداح فيخبرهم به ، مأخوذ من ربيئة القوم ، وهو طليعتهم . والضرباء : جمع ضريب ، وهو الذي يضرب بالقداح ، وهو الموكّل بها ، ويقال له الضارب أيضا . والنجم هنا : الثريا . ويتتلع : يتقدم ويرتفع ، مأخوذ من التلعة . فقوله : والعيوق مقعد : جملة اسمية حال من نون وردن . يقول : وردت الأتن الماء ، والعيوق في هذا المكان ، وهذا يكون في صميم الحرّ عند الإسحار . وخلف : ظرف . وإذا كان العيوق خلف الثريا كما وصف ، يكون وقت ورود الوحش الماء ؛ ولذلك يكنّ الصيادون فيه عند المشارع ونواحيها . و « مقعد » ، و « خلف » : منصوبان على الظرف ، وقع الأول خبرا لقوله : والعيوق ، والثاني بدلا منه ، كأنه قال : والعيوق من خلف النجم مقعد . . . كذا ، فحذف من خلف ؛ لأن البدل ( خلف النجم ) يدل عليه . ويجوز أن يكون « خلف النجم » في موضع الحال ، كأنه قال : والعيوق من النجم قريب متخلفا عنه . ويجوز العكس ، فيكون « خلف النجم » خبر المبتدأ ، و « مقعد » حالا . والعامل فيه الظرف . كأنه قال : والعيوق مستقر خلف النجم قريبا . وجملة « لا يتتلع » ، إما خبر بعد خبر ، وإما حال بعد حال . والشاهد : أنّ « مقعد » ظرف منصوب وقع خبرا عن اسم عين ، وهو العيوق . وفيه شاهد أن « النجم » بالتعريف علم على الثريا . قال أبو أحمد : وهذا البيت الشاهد ، ومثله مئات بل آلاف من الشواهد ، لا يفهم إلا في سياقه ، وقراءة ما قبله وما بعده ، فكيف حكم النّقاد ، نقاد الأدب ، أن البيت وحدة القصيدة العربية ، وأن القصيدة بسبب هذا الحكم ، مفككة الأوصال ؟ لا أدري من أول جاهل نطق بالحكم ، وتبعه من بعده دون تحقيق ؟ فقول الشاعر هنا ، « فوردن » ، كيف نعلم من اللاتي وردن ، إذا لم نقرأ أن الشاعر يصف حمارا مع أتنه الأربعة ؟ وما الذي يدرينا ماذا تمّ بعد الورود ؟ فالإخبار بأنّ هذه الأتن وردت الماء في هذا الوقت ، لا معنى له ، إن لم نعرف سبب الإخبار ، فهو يخبرنا أن هذه الأتن وردت الماء ، فجاء صائد ، فصادهنّ جميعهنّ . ومع ذلك يمكن أن يقول القارئ : وما فائدة هذه القصة ، ولماذا ذكرها الشاعر