محمد بن محمد حسن شراب
36
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
المجددين ( أو الشعوبيين ) يعيبون معاصريهم بالوقوف على الأطلال ؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان تقليدا - ولم ينقل عن هؤلاء المجددين أنهم عابوا الجاهليين لوقوفهم على الأطلال ؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان جزءا من حياتهم وبيئتهم . فقال أبو نواس : مالي بدار خلت من أهلها شغل * ولا شجاني لها أهل ولا طلل يريد أنه لم يتعلق قلبه بأطلال ليذكرها في شعره ، ومعنى هذا أن الجاهليين إنما ذكروا الأطلال لصلتها بذكرى الأحبّة . وقال بشار بن برد - وفيها دليل على إيمانه بالبعث - : كيف يبكي لمحبس في طلول * من سيبكي لحبس يوم طويل إنّ في البعث والحساب لشغلا * عن وقوف برشم دار محيل . . . وهو بهذا يعيب الشعراء المسلمين الذين يقفون على الأطلال . * ومما يدلّ على أن ذكر الجاهليين الأطلال كان حقيقيا يتصل بذكريات واقعة ، أنّ أسماء النساء المذكورات في الشعر إنما هي لنساء لهنّ وجود حقيقيّ : فعنترة يقول : يا دار عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلمي وعبلة حقيقة واقعة في حياة عنترة . و « خولة » صاحبة طرفة بن العبد التي ذكرها بقوله : « لخولة أطلال ببرقة ثهمد . . . » قال الشّرّاح : خولة امرأة من بني كلب . وقالوا : إن « أم أوفى » في شعر زهير هي زوجه ، و « هريرة » صاحبة الأعشى قينة كانت لرجل من آل عمرو . * والبكاء على الأطلال أقدم من الشعر الذي وصلنا ، وليس امرؤ القيس أول من وقف واستوقف ، وبكى واستبكى على الأطلال كما يزعمون ؛ لأن امرء القيس يقول : عوجا على الطلل المحيل لعلّنا * نبكي الديار كما بكى ابن خذام