محمد بن محمد حسن شراب
37
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
قال الآمدي في « المؤتلف » : « ابن خذام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره ، هو أحد من بكى الديار قبل امرئ القيس ، ودرس شعره » . ويغلب على الظنّ أن بكاء ابن خذام لم يكن مقدمة لقصيدة مدح ؛ لأنّ الأصل في الشعر أن يكون تعبيرا عن الذات ، ومن هنا وصف الشعر العربي بأنه شعر غنائي ؛ لأنه يغني المشاعر الذاتية في الحبّ والوفاء والذكريات ، ولهذا فإن أقدم بكاء الجاهليين على الأطلال كان بكاء حقيقيا ، ولم يكن مقدمة مصطنعة كما فعل الشعراء فيما بعد . فحياة الجاهليين من أهل البوادي ، كانت رحلة دائمة ، ومع هذا الرحيل فإنهم لا ينسون ذكرياتهم في المكان المرتحل عنه ، وإذا جمعتهم الأيام بالمكان في طريق سفرهم شدّهم إلى الوقوف فيه وتذكّر ما كان في الأيام الخالية : من ذكريات الشباب واللهو والأهل . وليس هذا الصنيع مقصورا على الشعراء . لأنّ تذكّر الماضي والبكاء عليه ، والحنين إليه فطرة في قلب كلّ إنسان ، مع تفاوت الناس في التعبير . وما زال الناس حتى يومنا يقفون عند المكان الذي حلّوا فيه مدة طالت أو قصرت ويتذكرون ما كان ويتحسرون على ما فات . وإذا لم يستطع أحدنا أن يقف على مرابع الماضي ، استدعاها في خياله ووقف عليها وناجاها . وقد تحوّل الوقوف على الأطلال في العصر الإسلامي ، إلى وقوف على أطلال الآباء والأجداد ، فالشاعر الإسلامي الحضري الذي يقف على الأطلال ، يدفعه إلى ذلك حنين إلى مرابع أجداده . وكان كثير من الأندلسيين يذكرون الأطلال والصحراء ومعالم الجزيرة العربية في شعرهم ، وهم يسكنون جنة الدنيا ، ولم يكن ذلك إلا حنينا إلى مرابع الجذور ، وفي الإسلام طرأ نوع جديد من الوقوف على الأطلال ، وهو الوقوف على أطلال المسلمين في أيام مجدهم ، أو الوقوف على آثار أهل القدوة من المسلمين . فقد كان عبد اللّه بن عمر بن الخطاب يتتبع الآثار النبوية في سفره بين مكة والمدينة فيصلي في كلّ مكان صلّى فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نزل تحت شجرة ، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس ، وعن نافع - مولى ابن عمر - أن عبد اللّه بن عمر كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول : لعلّ خفّا يقع على خفّ - يعني خفّ راحلة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وينقل نافع وصفا لحال ابن عمر وهو يتبع آثار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول : لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع أثر النبي لقلت : هذا مجنون .