عثمان بن جني ( ابن جني )
94
الخصائص
ووجدت في اللغة من هذا الفنّ شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به ؛ ولعلّه لو جمع أكثره ( لا جميعه ) لجاء كتابا ضخما ؛ وقد عرفت طريقه . فإذا مرّ بك شيء منه فتقبّله وأنس به ؛ فإنه فصل من العربية لطيف ، حسن يدعو إلى الأنس بها والفقاهة فيها . وفيه أيضا موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد ، حتى تكلّف لذلك أن يوجد فرقا بين قعد وجلس " 1 " ، وبين ذراع " 2 " وساعد ؛ ألا ترى أنه لما كان رفث بالمرأة في معنى أفضى إليها جاز أن يتبع الرفث الحرف الذي بابه الإفضاء ، وهو ( إلى ) . وكذلك لمّا كان ( هل لك في كذا ) بمعنى أدعوك إليه جاز أن يقال : هل لك إلى أن تزكى ( كما يقال أدعوك إلى أن تزكى ) وقد قال رؤبة ما قطع به العذر هاهنا ، قال : * بال بأسماء البلى يسمّى * فجعل للبلى - وهو معنى واحد - أسماء . وقد قدمنا هذا ( فيما مضى من صدر كتابنا ) . ومما جاء من الحروف في موضع غيره على نحو مما ذكرنا قوله : إذا رضيت علىّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها " 3 " أراد : عنّى . ووجهه : أنا إذا رضيت عنه أحبّته وأقبلت عليه . فلذلك استعمل ( على ) بمعنى ( عن ) وكان أبو علىّ يستحسن قول الكسائىّ في هذا ؛ لأنه قال : لما كان ( رضيت ) ضدّ ( سخطت ) عدّى رضيت بعلى حملا للشيء على نقيضه ؛ كما
--> ( 1 ) القعود يكون عن قيام . والجلوس يكون عن حالة دونه . ( 2 ) فسر بعضهم الذراع بأنه الأسفل من الزندين ، والساعد : الأعلى منهما . وانظر اللسان . ( 3 ) البيت من الوافر ، وهو للقحيف العقيلي في أدب الكاتب ص 507 ، والأزهية ص 277 ، وخزانة الأدب 10 / 132 ، 133 ، والدرر 4 / 135 ، وشرح التصريح 2 / 14 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 416 ، ولسان العرب ( رضى ) ، والمقاصد النحوية 3 / 282 ، ونوادر أبى زيد ص 176 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 118 ، والإنصاف 2 / 630 ، وأوضح المسالك 3 / 41 ، وجمهرة اللغة ص 1314 ، والجنى الداني ص 477 ، ورصف المباني ص 372 ، وشرح الأشمونى 2 / 294 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 954 ، وشرح ابن عقيل ص 365 ، وشرح المفصل 1 / 120 ، ولسان العرب ( يا ) ، والمحتسب 1 / 52 ، 348 ، ومغنى اللبيب 2 / 143 ، والمقتضب 2 / 320 ، وهمع الهوامع 2 / 28 ، وتاج العروس ( عنن ) .