عثمان بن جني ( ابن جني )

92

الخصائص

وغير ذلك مما يوردونه . ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا ؛ لكنا نقول : إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع ، على حسب الأحوال الداعية إليه ، والمسوّغة له ، فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا ؛ ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلا هكذا ، لا مقيدا لزمك عليه أن تقول : سرت إلى زيد ، وأنت تريد : معه ، وأن تقول : زيد في الفرس ، وأنت تريد : عليه ، وزيد في عمرو ، وأنت تريد : عليه في العداوة ، وأن تقول : رويت الحديث بزيد ، وأنت تريد : عنه ، ونحو ذلك ، مما يطول ويتفاحش . ولكن سنضع في ذلك رسما يعمل عليه ، ويؤمن التزام الشناعة لمكانه . اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر ، وكان أحدهما يتعدّى بحرف ، والآخر بآخر فإن العرب قد تتّسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه . وذلك كقول اللّه عز اسمه : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] وأنت لا تقول : رفثت إلى المرأة وإنما تقول : رفثت بها ، أو معها ؛ لكنه لمّا كان الرّفث هنا في معنى الإفضاء ، وكنت تعدّى أفضيت ب ( إلى ) كقولك : أفضيت إلى المرأة ، جئت ب ( إلى ) مع الرفث ؛ إيذانا وإشعارا أنه بمعناه ؛ كما صحّحوا عور وحول لمّا كانا في معنى اعورّ واحولّ . وكما جاءوا بالمصدر فأجروه على غير فعله لما كان في معناه ؛ نحو قوله : * وإن شئتم تعاودنا عوادا " 1 " * لما كان التعاود أن يعاود بعضهم بعضا . وعليه جاء قوله : * وليس بأن تتبّعا اتّباعا " 2 " *

--> ( 1 ) عجز بيت من الوافر ، وهو لشقيف بن جزء في فرحة الأديب ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 630 ، وخزانة الأدب 10 / 135 ، ورصف المباني ص 39 . ويروى : ولو شئنا بدلا من ولو شئتم . وصدر البيت : * بما لم تشكروا المعروف عندي * ( 2 ) عجز بيت من الوافر ، وهو للقطامىّ في ديوانه ص 35 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 332 ، والشعر والشعراء 2 / 728 ، والكتاب 4 / 82 ، ولسان العرب ( تبع ) ، وبلا نسبة في أدب الكاتب -