عثمان بن جني ( ابن جني )
55
الخصائص
يا ميّ لا غرو ولا ملاما * في الحبّ إن الحبّ لن يداما " 1 " فسرّ بذلك وقال : أسير بها إلى بلدي . وأفضينا إلى هذا القدر لاتصاله بما كنّا عليه ؛ قال : وعند سعيد غير أن لم أبح به * ذكرتك إن الأمر يذكر للأمر وأكثر هذه الالتزامات في الشعر ؛ لأنه يحظر على نفسه ما تبيحه الصنعة إياه إدلالا ، وتغطرفا ، واقتدارا وتعاليا . وهو كثير . وفيما أوردناه منه كاف . فأمّا في غير الشعر فنحو قولك في جواب من سألك فقال لك : أىّ شيء عندك ؟ : زيد أو عمرو أو محمد الكريم أو علىّ العاقل . فإنما جوابه الذي لا يقتضى السؤال غيره أن يجيبه بنكرة في غاية ( شياع مثلها ) فيقول : جسم . ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون في قوله : أىّ شيء عندك ، إنما أراد أن يستفصلك بين أن يكون عندك علم أو قراءة أو جود أو شجاعة ، وأن يكون عندك جسم ما . فإذا قلت : جسم ، فقد فصلت بين أمرين قد كان يجوز أن يريد منك فصلك بينهما . إلا أن جسما وإن كان قد فصل بين المعنيين فإنه مبالغ في إبهامه . فإن تطوّعت زيادة على هذا قلت : حيوان . وذلك أن حيوانا أخصّ من جسم ؛ كما أن جسما أخصّ من شيء . فإن تطوّع شيئا آخر قال في جواب أىّ شيء عندك : إنسان ؛ لأنه أخصّ من حيوان ؛ ألا تراك تقول : كلّ إنسان حيوان ، وليس كلّ حيوان إنسانا ؛ كما تقول : كل إنسان جسم ، وليس كلّ جسم إنسانا . فإن تطوّع بشئ آخر قال : رجل . فإن زاد في التطوّع شيئا آخر قال : رجل عاقل أو نحو ذلك . فإن تطوع شيئا آخر قال : زيد أو عمرو ( أو نحو ذلك ) . فهذا كلّه تطوّع بما لا يوجبه سؤال هذا السائل . ومنه قول أبى دواد : فقصرن الشتاء بعد عليه * وهو للذود أن يقسّمن جار " 2 "
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( دوم ) ، وجمهرة اللغة ص 1308 ، وتاج العروس ( دوم ) . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو لأبى دؤاد الإيادىّ في ديوانه ص 318 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 181 ، ولسان العرب ( قصر ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( قصر ) ، والمعاني الكبير ص 89 -