عثمان بن جني ( ابن جني )
514
الخصائص
منصوبا على فعل آخر ، أي صاروا جدارا ، أي مثل جدار ، فنصبه في هذا الموضع على أنه خبر صاروا . والأوّل أظهر وأصنع . ومن ذلك أن يقال : من أين يجمع قول اللّه سبحانه : فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ [ المؤمنون : 76 ] مع قوله تعالى : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [ البقرة : 49 ] . والتقاؤهما أن أبا علىّ - رحمه اللّه - كان يقول : إن عين ( استكانوا ) من الياء ، وكان يأخذه من اللفظ الكين ومعناه ، وهو لحم باطن الفرج ، أي فما ذلّوا وما خضعوا . وذلك لذلّ هذا الموضع ومهانته . وكذلك قوله : ( ويستحيون نساءكم ) إنما هو من لفظ الحياء ومعناه ( أي الفرج ) ، أي يطئوهنّ . وهذا واضح . ومن ذلك أن يقال : من أين ( يجمع بين ) قول اللّه تعالى : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [ الجمعة : 8 ] ، ( وبين ) قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ الماعون : 4 ، 5 ] . والتقاؤهما من قبل أن الفاء في قوله سبحانه : فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ إنما دخلت لما في الصفة التي هي قوله : الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ( من معنى الشرط ) ، أي إن فررتم منه لاقاكم - فجعل - عزّ اسمه - هربهم منه سببا للقيه إيّاهم ؛ على وجه المبالغة ؛ حتى كأنّ هذا مسبّب عن هذا ؛ كما قال زهير : * ومن هاب أسباب المنايا ينلنه " 1 " * فمعنى الشرط إذا إنما هو مفاد من الصفة لا الموصوف . وكذلك قوله عزّ وجلّ : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ إنما استحقّوا الويل لسهوهم عن الصلاة ، لا للصلاة نفسها ، والسهو مفاد من الصفة لا من الموصوف . فقد ترى إلى اجتماع الصفتين في أن المستحقّ من المعنى إنما هو لما فيهما من الفعل الذي هو الفرار والسهو ، وليس من نفس الموصوفين اللذين هما الموت والمصلّون . وليس كذلك قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
--> ( 1 ) صدر البيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 30 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 267 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 386 ، ولسان العرب ( سبب ) . ويروى : السماء بدلا من : المنايا . وعجز البيت : * وإن رام أسباب السماء بسلّم *