عثمان بن جني ( ابن جني )

515

الخصائص

سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ البقرة : 274 ] ؛ من قبل أن معنى الفعل المشروط به هنا إنما هو مفاد من نفس الاسم الذي ليس موصوفا ، أعنى : الذين ينفقون . وهذا واضح . وقال لي أبو علىّ - رحمه اللّه - : " إني لم أودع كتابي في الحجة " شيئا من انتزاع أبى العباس غير هذا الموضع ، أعنى قوله : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [ الجمعة : 8 ] مع قوله : * ومن هاب أسباب المنايا ينلنه " 1 " * وكان - رحمه اللّه - يستحسن الجمع بينهما . ومن ذلك أن يقال : من أين يجمع قول اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النور : 4 ] مع قول الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميّت الناشر " 2 " والتقاؤهما أن معناه : فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة ، وكذلك قوله : حتى يقول الناس ، أي حتى يقول كل واحد من الناس : يا عجبا ! ألا ترى أنه لولا ذلك لقيل : يا عجبنا . ومثل ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم : أتينا الأمير فكسانا كلّنا حلّة ، وأعطانا كلّنا مائة ؛ أي كسا كل واحد منا حلّة ، وأعطاه مائة . ومثل قوله سبحانه : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [ فاطر : 37 ] أي : أولم نعمر كلّ واحد منكم ما يتذكّر فيه من تذكّر . ومن ذلك أن يقال : من أين يجمع قول العجّاج : * وكحّل العينين بالعواور " 3 " *

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) البيت من السريع ، وهو للأعشى في ديوانه ص 191 ، ولسان العرب ( نشر ) ، وتهذيب اللغة 11 / 338 ، ومقاييس اللغة 5 / 430 ، وتاج العروس ( نشر ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 734 ، والمخصص 9 / 92 . ( 3 ) الرجز للعجاج ، ولجندل بن المثنى الطهوى في شرح أبيات سيبويه 2 / 429 ، وشرح التصريح 2 / 369 ، وشرح شواهد الشافية ص 374 ، والمقاصد النحوية 4 / 571 ، وبلا نسبة في الإنصاف -