عثمان بن جني ( ابن جني )
505
الخصائص
باب في الجمع بين الأضعف والأقوى في عقد واحد وذلك جائز عنهم ، وظاهر وجه الحكمة في لغتهم ؛ قال الفرزدق : كلاهما حين جدّ الجرى بينهما * قد أقلعا وكلا أنفيهما رابى " 1 " ( فقوله : كلاهما قد أقلعا ضعيف ؛ لأنه حمل على المعنى ؛ وقوله : وكلا أنفيهما رابى ) قوىّ لأنه حمل على اللفظ . وأنشد أبو عمرو الشيبانىّ : كلا جانبيه يعسلان كلاهما * كما اهتزّ خوط النّبعة المتتايع " 2 " فإخباره ب ( يعسلان ) عن ( كلا جانبيه ) ضعيف على ما ذكرنا . وأمّا ( كلاهما ) فإن جعلته توكيدا ل ( كلا ) ففيه ضعف ؛ لأنه حمل على المعنى دون اللفظ . ولو كان على اللفظ لوجب أن يقول : كلا جانبيه يعسل كلّه ، أو قال : يعسلان كلّه ، فحمل ( يعسلان ) على المعنى ، و ( كلّه ) على اللفظ ، وإن كان في هذا ضعف ؛ لمراجعة اللفظ بعد الحمل على المعنى . وإن جعلت ( كلاهما ) توكيدا للضمير في ( يعسلان ) فإنه قوىّ ؛ لأنهما في اللفظ اثنان ؛ كما أنهما في المعنى كذلك . وقال اللّه - سبحانه - : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 112 ] فحمل أوّل الكلام على اللفظ ، وآخره على المعنى ، والحمل على اللفظ أقوى .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو للفرزدق في أسرار العربية ص 287 ، وتخليص الشواهد ص 66 ، والدرر 1 / 122 ، وشرح التصريح 2 / 43 ، وشرح شواهد المغنى ص 552 ، ونوادر أبى زيد ص 162 ، ولم أقع عليه في ديوانه ، وهو للفرزدق أو لجرير في لسان العرب ( سكف ) ، وبلا نسبة في الإنصاف ص 447 ، والخزانة 1 / 131 ، 4 / 299 ، وشرح الأشمونى 1 / 33 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 171 ، وشرح المفصل 1 / 54 ، ومغنى اللبيب ص 204 ، وهمع الهوامع 1 / 41 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لحميد بن ثور في ديوانه ص 104 ، ولسان العرب ( طرف ) ، وتهذيب اللغة 2 / 284 ، 13 / 322 ، وأساس البلاغة ( تبع ) ، ( طرف ) ، تاج العروس ( تبع ) ، ( طرف ) . ويروى : ترى طرفيه بدلا من : كلا جانبيه ، عود الساسم بدلا من : خوط النبعة . يعسلان : يضطربان . والخوط : الغصن الناعم . النبعة : من أشجار الجبال يتخذ منه القسي .