عثمان بن جني ( ابن جني )
504
الخصائص
كثيرا ما يهجّن بعضهم بعضا ، ( ولا ) يترك له في ذلك سماء ولا أرضا . قيل له : هذا أوّل دليل على كرم هذا الأمر ، ونزاهة هذا العلم ؛ ألا ترى أنه إذا سبقت إلى أحدهم ظنّة ، أو توجّهت نحوه شبهة ، سبّ بها ، وبرئ إلى اللّه منه لمكانها . ولعل أكثر من يرمى بسقطة في رواية ، أو عمر في حكاية ، محمىّ جانب الصدق فيها ، برئ عند اللّه ذكره من تبعتها ؛ لكن أخذت عليه ، إما لاعتنان شبهة عرضت له أو لمن أخذ عنه ، وإمّا لأن ثالبه ومتعيّبه مقصّر عن مغزاه ، مغضوض الطرف دون مداه . وقد تعرض الشبه للفريقين ( وتعترض على كلتا الطريقتين ) . فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله ، والمتفيئين بظلّه ، كريم الطرفين ، جدد " 1 " السمتين ، لما تسابّوا بالهجنة فيه ، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه ، ليطووا ثوبه على أعدل غروره " 2 " ومطاويه . نعم ، وإذا كانت هذه المناقضات والمثاقفات " 3 " موجودة بين السلف القديم ، ومن باء فيه بالمنصب والشرف العميم ، ممن هم سرج الأنام ، والمؤتمّ بهديهم في الحلال والحرام ، ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه ، ولا غاضا منه ، ولا عائدا بطرف من أطراف التبعة عليه ، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب ، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له ، ولا يكاد يعدم أهله الأنق به ، والارتياح لمحاسنه . وللّه أبو العباس أحمد بن يحيى ، وتقدّمه في نفوس أصحاب الحديث ثقة وأمانة وعصمة وحصانة . وهم عيار هذا الشأن ، وأساس هذا البنيان . وهذا أبو علىّ رحمه اللّه ، كأنه بعد معنا ، ولم تبن به الحال عنّا ، كان من تحوّبه وتأنّيه ، وتحرّجه كثير التوقّف فيما يحكيه ، دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه . فكان تارة يقول : أنشدت لجرير فيما أحسب ، وأخرى : قال لي أبو بكر فيما أظنّ ، وأخرى : في غالب ظنىّ كذا ، وأرى أنّى قد سمعت كذا . هذا جزء من جملة ، وغصن من دوحة ، وقطرة من بحر ، ممّا يقال في هذا الأمر . وإنما أنسنا بذكره ، ووكلنا الحال فيه ، إلى تحقيق ما يضاهيه .
--> ( 1 ) الجدد : الأرض المستوية . ( 2 ) جمع غرّ - بفتح الغين - وغرور الثوب : مكاسره أي حيث يتثنى وينكسر . ( 3 ) يقال : ثاقف الرجل فثقفه كنصره غالبه فغلبه في الحذق . القاموس ( ثقف ) .