عثمان بن جني ( ابن جني )

503

الخصائص

ومنه تجنى الفقر والملح ، وهو ريحانة كل مغتبق ومصطبح - كانت مشيخة القرّاء وأماثلهم تحضره - وهو حدث - لأخذ قراءة نافع عنه . ومعلوم ( كم قدر ما ) حذف من اللغة ، فلم يثبته ، لأنه لم يقو عنده ، إذ لم يسمعه . وقد ذكرنا في الباب الذي هذا يليه طرفا منه . فأما إسفاف من لا علم له ، وقول من لا مسكة به : إن الأصمعىّ كان يزيد في كلام العرب ، ويفعل كذا ، ويقول كذا ، فكلام معفوّ عنه ، غير معبوء به ، ولا منقوم من مثله ؛ حتى كأنه لم يتأدّ إليه توقّفه عن تفسير القرآن وحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتحوّبه من الكلام في الأنواء . ويكفيك من ذا خشنة أبى زيد وأبى عبيدة . وهذا أبو حاتم بالأمس ، وما كان عليه من الجدّ والانهماك ، والعصمة والاستمساك . وقال لنا أبو علىّ - رحمه اللّه - يكاد يعرف صدق أبى الحسن ضرورة . وذلك أنه كان مع الخليل في بلد واحد ( فلم يحك عنه حرفا واحدا ) . هذا إلى ما يعرف عن عقل الكسائىّ وعفّته ، وظلفه " 1 " ، ونزاهته ؛ حتى إن الرشيد كان يجلسه ومحمد بن الحسن على كرسيّين بحضرته ، ويأمرهما ألا ينزعجا لنهضته . وحكى أبو الفضل الرّياشىّ قال : جئت أبا زيد لأقرأ عليه كتابه في النبات ، فقال : لا تقرأه علىّ ؛ فإني قد أنسيته . وحسبنا من هذا حديث سيبويه ، وقد حطب بكتابه - ( وهو ) ألف ورقة - علما مبتكرا ، ووضعا متجاوزا لما يسمع ويرى ، قلّما تسند إليه حكاية ، أو توصل به رواية ، إلا الشاذّ الفذّ الذي لا حفل به ولا قدر . فلولا تحفّظ من يليه ، ولزومه طريق ما يعنيه ، لكثرت الحكايات عنه ، ونيطت أسبابها به ، لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته ، وادّرع جلباب ثقته ، وحمى جانبه من صدقه وأمانته ، ما أريد من صون هذا العلم الشريف ( له به ) . فإن قلت : فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين ، والمتحلّين به في المصرين ،

--> ( 1 ) الظلف : النزاهة .