عثمان بن جني ( ابن جني )

502

الخصائص

باب في صدق النقلة ، وثقة الرواة والحملة هذا موضع من هذا الأمر ، لا يعرف صحّته إلا من تصوّر أحوال السلف فيه تصوّرهم ، ورآهم من الوفور والجلالة بأعيانهم ، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له ، وعلم أنه لم يوفّق لاختراعه ، وابتداء قوانينه وأوضاعه ، إلا البرّ عند اللّه سبحانه ، الحظيظ بما نوّه به ، وأعلى شأنه . أو لا يعلم أن أمير المؤمنين عليّا - رضى اللّه عنه - هو البادئة ، والمنبّه عليه ، والمنشئة والمرشد إليه . ثم تحقّق ابن عباس ، رضى اللّه عنه به ، واكتفال أبى الأسود - رحمه اللّه - إياه . هذا ، بعد تنبيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - عليه ، وحضّه على الأخذ بالحظّ منه ، ثم تتالى السلف - رحمهم اللّه - عليه ، واقتفائهم - آخرا على أوّل - طريقه . ويكفى من بعد ما تعرف حاله ، ويتشاهد به من عفّة أبى عمرو بن العلاء ومن كان معه ، ومجاورا زمانه . حدّثنا بعض أصحابنا - يرفعه - قال : قال أبو عمرو بن العلاء - رحمه اللّه - : ما زدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا . يعنى ما يرويه للأعشى من قوله : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا " 1 " أفلا ترى إلى هذا البدر الطالع الباهر ، والبحر الزاخر ، الذي هو أبو العلماء وكهفهم ، وبدء " 2 " الرواة وسيفهم ، كيف تخلّصه من تبعات هذا العلم وتحرّجه ، وتراجعه فيه إلى اللّه وتحوّبه ، حتى إنه لمّا زاد فيه - على سعته وانبثاقه ، وتراميه وانتشاره - بيتا واحدا ، وفّقه اللّه للاعتراف به ، ( وجعل ذلك ) عنوانا على توفيق ذويه وأهليه . وهذا الأصمعىّ - وهو صنّاجة " 3 " الرواة والنقلة ، وإليه محطّ الأعباء والثقلة ،

--> ( 1 ) البيت من البسيط وهو للأعشى في ديوانه ص 151 ، ولسان العرب ( نكر ) ، وتهذيب اللغة 10 / 191 ، وديوان الأدب 2 / 235 ، وأساس البلاغة ( نكر ) ، وتاج العروس ( نكر ) ، ( صلع ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 5 / 476 . ( 2 ) البدء : السيد . ( 3 ) الصّنج ذو الأوتار الذي يلعب به ، واللاعب به يقال له : الصّنّاج والصّنّاجة وكان أعشى بكر يسمى صنّاجة العرب لجودة شعره . اللسان ( صنج ) .