عثمان بن جني ( ابن جني )

482

الخصائص

قولهم : انداح بطنه أي اتّسع . وليس هذا من غلط أهل الصناعة . وذلك أن انداح : انفعل ، وتركيبه من دوح ، ومندوحة : مفعولة ، وهي من تركيب ( ن د ح ) والنّدح : جانب الجبل وطرفه ، وهو إلى السعة ، وجمعه أنداح . أفلا ترى إلى هذين الأصلين : تباينا ، وتباعدا ، فكيف يجوز أن يشتقّ أحدهما من صاحبه على بعد بينهما ، وتعادى وضعهما . وذهب ابن الأعرابىّ في قولهم : يوم أرونان إلى أنه من الرّنّة . وذلك أنها تكون مع البلاء والشدّة . وقال أبو علىّ - رحمه اللّه - : ليس هذا من غلط أهل الصناعة ؛ لأنه ليس في الكلام أفوعال ، وأصحابنا يذهبون إلى أنه أفعلان ، من الرونة ، وهي الشدّة في الأمر . وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى في قولهم : أسكفّة الباب إلى أنها من قولهم : استكفّ أي اجتمع . وهذا أمر ظاهر الشناعة . وذلك أن أسكفّة : أفعلّة ، والسين فيها فاء ، وتركيبه من ( س ك ف ؛ وأما استكفّ فسينه زائدة ؛ لأنه استفعل ، وتركيبه من ) ك ف ف . فأين هذان الأصلان حتى يجمعا ويدانى من شملهما . ولو كانت أسكفّة من استكفّ لكانت أسفعلة ، وهذا مثال لم يطرق فكرا ، ولا شاعر - فيما علمناه - قلبا . وكذلك لو كانت مندوحة من انداح بطنه - كما ذهب إليه أبو عبيدة - لكانت منفعلة . وهذا أيضا في البعد والفحش كأسفعلة . ومع هذا فقد وقع الإجماع على أن السين لا تزاد إلا في استفعل ، وما تصرّف منه . وأسكفة ليس من الفعل في قبيل ولا دبير . وذهب أحمد أيضا في تنّور إلى أنه تفعول من النار - ونعوذ باللّه من عدم التوفيق . هذا على سداد هذا الرجل وتميّزه من أكثر أصحابه - ولو كان تفعولا من النار لوجب أن يقال فيه : تنوور ؛ كما أنك لو بنيته من القول لكان : تقوولا ، ومن العود : تعوودا . وهذا في نهاية الوضوح . وإنما تنّور : فعّول من لفظ ( ت ن ر ) . وهو أصل لم يستعمل إلا في هذا الحرف ، وبالزيادة كما ترى . ومثله مما لم يستعمل إلا بالزيادة كثير . منه حوشب وكوكب ( وشعلّع ) ( وهزنبران ) ودودرّى ( ومنجنون ) وهو واسع جدّا . ويجوز في التنّور أن يكون فنعولا من ( ت ن ر ) ؛ فقد حكى أبو زيد في زرنوق : زرنوقا .