عثمان بن جني ( ابن جني )

483

الخصائص

ويقال : إن التنّور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم . فإن كان كذلك فهو طريف ، إلا أنه على كل حال فعّول أو فعنول ؛ لأنه جنس ، ولو كان أعجميّا لا غير لجاز تمثيله ( لكونه جنسا ولاحقا ) بالعربىّ ، فكيف وهو أيضا عربىّ ؛ لكونه في لغة العرب غير منقول إليها ، وإنما هو وفاق وقع ، ولو كان منقولا ( إلى اللغة العربية من غيرها ) لوجب أن يكون أيضا وفاقا بين جميع اللغات غيرها . ومعلوم سعة اللغات ( غير العربية ) ، فإن جاز أن يكون مشتركا في جميع ما عدا العربية ، جاز أن يكون وفاقا وقع فيها . ويبعد في نفسي أن يكون في الأصل للغة واحدة ، ثم نقل إلى جميع اللغات ؛ لأنا لا نعرف له في ذلك نظيرا . وقد يجوز أيضا أن يكون وفاقا وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك ، ثمّ انتشر بالنقل في جميعها . وما أقرب هذا في نفسي ! لأنا لا نعرف شيئا من الكلام وقع الاتفاق عليه في كل لغة ، وعند كل أمّة : هذا كله إن كان في جميع اللغات هكذا . وإن لم يكن كذلك كان الخطب فيه أيسر . وروينا ( هذه المواضع ) عن أحمد بن يحيى . وروينا عنه أيضا أنه قال : التواطخ " 1 " من الطيخ ، وهو الفساد . وهذا - على إفحاشه - مما يجمل الظن به ؛ لأنه من الوضوح بحيث لا يذهب على أصغر صغير من أهل هذا العلم . وإذا كان كذلك وجب أن يحسّن الظنّ به ، ويقال إنه ( أراد به ) : كأنه مقلوب منه . هذا أوجه عندي من أن يحمل عليه هذا الفحش والتفاوت كله . ومن هذا ما يحكى عن خلف أنه قال : أخذت على المفضّل الضبىّ في مجلس واحد ثلاث سقطات : أنشد لامرئ القيس : نمسّ بأعراف الجياد أكفّنا * إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب " 2 "

--> ( 1 ) يقال : تواطخ القوم الشئ : تداولوه بينهم . القاموس . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 51 ، ولسان العرب ( ضهب ) ، ( مثث ) ، ومقاييس اللغة 3 / 374 ، والتنبيه والإيضاح 2 / 325 ، وكتاب العين 6 / 225 ، 8 / 217 ، وجمهرة اللغة ص 140 ، 356 ، وتاج العروس ( ضهب ) ، ( مثث ) ، ( مشش ) ، ( عرف ) ، وبلا نسبة في مجمل اللغة 3 / 292 ، ويروى : غث بدلا من غس . المضهب : الذي لم يكمل نضجه .