عثمان بن جني ( ابن جني )
477
الخصائص
يصاحب الشيطان من يصاحبه * فهو أذى جمّة مصاوبه " 1 " وقالوا في واحدتها : مصيبة ، ومصوبة ، ومصابة . وكأنّ الذي استهوى في تشبيه ياء مصيبة بياء صحيفة أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل ، وإنما هي بدل من الأصل ، والبدل من الأصل ليس أصلا ، وقد عومل لذلك معاملة الزائد ؛ حكى سيبويه عن أبي الخطّاب أنهم يقولون في راية : راءة . فهؤلاء همزوا بعد الألف وإن لم تكن زائدة ؛ وكانت بدلا ؛ كما يهمزون بعد الألف الزائدة في فضاء وسقاء . وعلّة ذلك أن هذه الألف وإن لم تكن زائدة فإنها بدل ، والبدل مشبه للزائد . والتقاؤهما أن كل واحد منهما ليس أصلا . ونحو منه ما حكوه في قولهم في زاي : زاء . وهذا أشدّ ( وأشدّ ) من راءة ؛ لأنّ الألف في راءة على كل حال بدل ، وهي أشبه بالزائد ، وألف زاي ليست منقلبة ، بل هي أصل ؛ لأنها في حرف ، فكان ينبغي ألا تشبه بالزائد ؛ إلا أنها وإن لم تكن منقلبة فإنها وقعت موقع المنقلبة ؛ لأن الألف هنا في الأسماء لا تكون أصلا . فلمّا كان كذلك شبّهت ألف زاي لفظا بألف باب ودار ؛ كما أنهم لمّا احتاجوا إلى تصريف أخواتها قالوا : قوّفت قافا ، ودوّلت دالا ، وكوّفت كافا ، ونحو ذلك . وعلى هذا ( أيضا قالوا ) زويت زايا ، وحكى : إنها زاي فزوّها . فلما كان كذلك انجذب حكم زاي إلى حكم راءة . وقد حكيت عنهم منارة ومنائر ، ومزادة ومزائد . وكأنّ هذا أسهل من مصائب ؛ لأن الألف أشبه بالزائد من الياء . ومن البدل الجاري مجرى الزائد - عندي لا عند أبي علىّ - همزة وراء . ويجب أن تكون مبدلة من حرف علّة ؛ لقولهم : تواريت عنك ؛ إلا أن اللام لمّا أبدلت همزة أشبهت الزائدة التي في ضهيأة " 2 " ؛ فكما أنك لو حقّرت ضهيأة لقلت : ضهيّئة ، فأقررت الهمزة ، فكذلك قالوا في تحقير وراء : وريّئة . ويؤكّد ذلك قول بعضهم فيها : وريّة ؛ كما قالوا في صلاءة : صليّة . فهذا ما أراه أنا وأعتقده في ( وراء ) هذه . وأمّا أبو علىّ - رحمه اللّه - فكان يذهب إلى أن لامها في الأصل
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( أذى ) ، وتاج العروس ( أذى ) . ( 2 ) ضهيأة : هي التي لا تحيض .