عثمان بن جني ( ابن جني )
476
الخصائص
قيل : هبه لا يعرف التصريف ( أتراه لا ) يحسن بطبعه وقوّة نفسه ولطف حسّه هذا القدر ! هذا ما لا يجب أن يعتقده عارف بهم ، أو آلف لمذاهبهم ؛ لأنه وإن لم يعلم حقيقة تصريفه بالصنعة فإنه يجده بالقوّة ؛ ألا ترى أن أعرابيّا بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح ، فلمّا شرب بعضها كظّه الأمر فقال : كبش أملح . فقيل له : ما هذا ! تنحنحت . فقال : من تنحنح ، فلا أفلح . ألا تراه كيف استعان لنفسه ببحّة الحاء ، واستروح إلى مسكة النفس بها ، وعللها بالصويت اللاحق ( لها في الوقف ) ونحن مع هذا نعلم أن هذا الأعرابىّ لا يعلم أن في الكلام شيئا يقال له حاء ، فضلا عن أن يعلم أنها من الحروف المهموسة ، وأن الصوت يلحقها في حال سكونها والوقف عليها ، ما لا يلحقها في حال حركتها أو إدراجها في حال سكونها ، في نحو بحر ، ودحر " 1 " ؛ إلا أنه وإن لم يحسن شيئا من هذه الأوصاف صنعة ولا علما ، فإنه يجدها طبعا ووهما . فكذلك الآخر : لمّا سمع ملكا وطال ذلك عليه أحسّ من ملك في اللفظ ما يحسّه من حلك . فكما أنه يقال : أسود حالك قال هنا من لفظة ملك : مالك ، وإن لم يدر أن مثال ملك فعل أو مفل ، ولا أن مالكا هنا فاعل أو مافل . ولو بنى من ملك على حقيقة الصنعة فاعل لقيل : لائك ؛ كبائك ، وحائك . وإنما مكّنت القول في هذا الموضع ليقوى في نفسك قوّة حسّ هؤلاء القوم ، وأنهم قد يلاحظون بالمنّة والطباع ، ما لا نلاحظه نحن عن طول المباحثة والسماع . فتأمّله ؛ فإن الحاجة إلى مثله ظاهرة . ومن ذلك همزهم مصائب . وهو غلط منهم . وذلك أنّهم شبهوا مصيبة بصحيفة ( فكما همزوا صحائف همزوا أيضا مصائب ، وليست ياء مصيبة زائدة كياء صحيفة ) ؛ لأنها عين ، ومنقلبة عن واو ، هي العين الأصلية . وأصلها مصوبة ؛ لأنها اسم الفاعل من أصاب ؛ كما أن أصل مقيمة مقومة ، وأصل مريدة مرودة ، فنقلت الكسرة من العين إلى الفاء ، فانقلبت الواو ياء ، على ما ترى . وجمعها القياسىّ مصاوب . وقد جاء ذلك ؛ قال :
--> ( 1 ) الدحر : الطرد والإبعاد .