عثمان بن جني ( ابن جني )
464
الخصائص
برار كفجار . ومنه قولهم : أهلك والليل ؛ فإذا فسّروه قالوا : أراد : الحق أهلك قبل الليل . وهذا - لعمري - تفسير المعنى لا تقدير الإعراب ؛ فإنه على : الحق أهلك وسابق الليل . ومنه ما حكاه الفرّاء من قولهم : معي عشرة فأحدهنّ ، أي اجعلهنّ أحد عشر . وهذا تفسير المعنى ، أي أتبعهنّ ما يليهنّ ( وهو ) من حدوث الشئ إذا جئت بعده . وأما اللفظ فإنه من ( وح د ) ؛ لأن أصل أحد وحد ؛ ألا ترى إلى قول النابغة : كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا * بذى الجليل على مستأنس وحد " 1 " أي منفرد ، وكذلك الواحد إنما هو منفرد . وقلب هذه الواو المفتوحة المنفردة شاذّ ومذكور في التصريف . وقال لي أبو علىّ - رحمه اللّه - بحلب سنة ست وأربعين : إن الهمزة في قولهم : ما بها أحد ونحو ذلك مما أحد فيه للعموم ليست بدلا من واو ؛ بل هي أصل في موضعها . قال : وذلك أنه ليس من معنى أحد في قولنا : أحد عشر ، وأحد وعشرون . قال : لأن الغرض في هذه الانفراد ، والذي هو نصف الاثنين ؛ قال : وأما أحد في نحو قولنا : ما بها أحد ، وديّار ، فإنما هي للإحاطة والعموم . ( والمعنيان ) - كما ترى - مختلفان . هكذا قال ؛ وهو الظاهر . ومنه قول المفسرين في قول اللّه تعالى : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [ الصف : 14 ] أي مع اللّه ، ليس أنّ ( إلى ) في اللغة بمعنى مع ؛ ألا تراك لا تقول : سرت إلى زيد ، وأنت تريد : سرت مع زيد ، هذا لا يعرف في كلامهم . وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع ؛ لأن النبىّ إذا كان له أنصار فقد انضمّوا في نصرته إلى اللّه ، فكأنه قال : من أنصارى منضمّين إلى اللّه ؛ كما تقول : زيد إلى خير ، وإلى دعة وستر ، أي آو إلى هذه الأشياء ومنضمّ إليها . فإذا انضمّ إلى اللّه فهو معه لا محالة . فعلى هذا فسّر المفسرون هذا الموضع .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 17 ، والأزهية ص 285 ، وخزانة الأدب 3 / 187 ، وشرح المفصل 6 / 16 ، ولسان العرب ( وحد ) ، ( نهر ) ، ( أنس ) ، ( زول ) . ذو الجليل : موضع . أي على ثور وحشىّ أحسّ بما رابه فهو يستأنس أي يتبصّر ويتلفّت هل يرى أحدا ، أراد أنه مذعور فهو أجدّ لعدوه وسرعته . اللسان ( أنس ) .