عثمان بن جني ( ابن جني )
463
الخصائص
باب في التفسير على المعنى دون اللفظ اعلم أن هذا موضع قد أتعب كثيرا من الناس واستهواهم ، ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذلوا به وتتايعوا فيه ؛ حتى إن أكثر ما ترى من هذه الآراء المختلفة ، والأقوال المستشنعة ، إنما دعا إليها القائلين بها تعلّقهم بظواهر هذه الأماكن ، دون أن يبحثوا عن سرّ معانيها ، ومعاقد أغراضها . فمن ذلك قول سيبويه في بعض ألفاظه : حتّى الناصبة للفعل ، يعنى في نحو قولنا : اتّق اللّه حتى يدخلك الجنّة . فإذا سمع هذا من يضعف نظره اعتدها في جملة الحروف الناصبة للفعل ، وإنما النصب بعدها بأن مضمرة . وإنما جاز أن يتسمّح بذلك من حيث كان الفعل بعدها منصوبا بحرف لا يذكر معها ؛ فصارت في اللفظ كالخلف له ، والعوض منه ، وإنما هي في الحقيقة جارّة لا ناصبة . ومنه قوله أيضا في قول الشاعر : أنا اقتسمنا خطّتينا بيننا * فحملت برّة واحتملت فجار " 1 " إن فجار معدولة عن الفجرة . وإنما غرضه أنها معدولة عن فجرة ( معرفة علما ) على ذا يدلّ هذا الموضع من الكتاب . ويقوّيه ورود برّة معه في البيت ، وهي - كما ترى - علم . لكنه فسّره على المعنى دون اللفظ . وسوّغه ذلك أنه لمّا أراد تعريف الكلمة المعدول عنها مثّل ذلك ( بما تعرّف ) باللام ؛ لأنه لفظ معتاد ، وترك لفظ فجرة ؛ لأنه لا يعتاد ذلك علما ، وإنما يعتاد نكرة ( وجنسا ) نحو فجرت فجرة كقولك : تجرت تجرة ؛ ولو عدلت برّة هذه على هذا الحدّ لوجب أن يقال فيها :
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 55 ، وإصلاح المنطق ص 336 ، وخزانة الأدب 6 / 327 ، 330 ، 333 ، والدرر 1 / 97 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 216 ، وشرح التصريح 1 / 125 ، وشرح المفصل 4 / 53 ، والكتاب 3 / 274 ، ولسان العرب ( برر ) ، ( فجر ) ، ( حمل ) ، والمقاصد النحوية 1 / 405 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 349 ، وجمهرة اللغة ص 463 ، وخزانة الأدب 6 / 287 ، وشرح الأشمونى 1 / 62 ، وشرح عمدة الحافظ ص 141 ، وشرح المفصل 1 / 38 ، ولسان العرب ( أنن ) ، ومجالس ثعلب 2 / 464 ، وهمع الهوامع 1 / 29 ، وتاج العروس ( أنن ) .