عثمان بن جني ( ابن جني )
460
الخصائص
لسنا كمن حلّت إياد دارها * تكريت ترقب حبّها أن يحصدا " 1 " ف ( إياد ) بدل من ( من ) ، وإذا كان كذلك لم يمكنك أن تنصب ( دارها ) ب ( حلّت ) هذه الظاهرة ؛ لما فيه من الفصل ، فحينئذ ما تضمر له فعلا يتناوله ، فكأنه قال فيما بعد : حلّت دارها . وإذا جازت دلالة المصدر على فعله ، والفعل على مصدره ، كانت دلالة الفعل على الفعل الذي هو مثله ، أدنى إلى الجواز ، وأقرب مأخذا في الاستعمال . ومثله قول الكميت في ناقته : كذلك تيك وكالناظرات * صواحبها ما يرى المسحل " 2 " أي وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها . فإن حملته على هذا كان فيه الفصل المكروه . فإذا كان المعنى عليه ، ومنع طريق الإعراب منه أضمر له ما يتناوله ، ودلّ ( الناظرات ) على ذلك المضمر . فكأنه قال فيما بعد : نظرن ما يرى المسحل ؛ ألا تراك لو قلت : كالضارب زيد جعفرا وأنت تريد : كالضارب جعفرا زيد لم يجز ؛ كما أنك لو قلت : إنك على صومك لقادر شهر رمضان ، وأنت تريد : إنك على صومك شهر رمضان لقادر ، لم يجز شيء من ذلك للفصل . وما أكثر استعمال الناس لهذا الموضع في محاوراتهم وتصرّف الأنحاء ( في كلامهم ) ! وأحد من اجتاز به البحترىّ في قوله : لا هناك الشّغل الجديد بحزوى * عن رسوم برامتين قفار " 3 " ف ( عن ) في المعنى متعلّقة ( بالشغل ) أي لا هناك الشغل عن هذه الأماكن ؛ إلا أن الإعراب مانع منه ، وإن كان المعنى متقاضيا له . وذلك أن قوله : ( الجديد ) صفة للشغل ، والصفة إذا جرت على الموصوف آذنت بتمامه ، وانقضاء أجزائه . فإن ذهبت تعلّق ( عن ) بنفس ( الشغل ) على ظاهر المعنى ، كان فيه الفصل بين الموصول وصلته ؛ وهذا فاسد ؛ ألا تراك لو قلت : عجبت من ضربك الشديد عمرا لم يجز ؛
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للأعشى في ديوانه ص 281 ، ولسان العرب ( كرت ) ، ( منن ) ، ومغنى اللبيب 2 / 541 . ( 2 ) المسحل : الحمار الوحشي . ( 3 ) من قصيدته في مدح أبى جعفر بن حميد . وقبله : أبكاء في الدار بعد الديار * وسلوّا بزينب عن نوار ( نجار ) .