عثمان بن جني ( ابن جني )

461

الخصائص

لأنك وصفت المصدر وقد بقيت منه بقيّة ، فكان ذلك فصلا بين الموصول وصلته بصفته . وصحّتها أن تقول : عجبت من ضربك الشديد عمرا ؛ لأنه مفعول الضرب ، وتنصب عمرا بدلا من الشديد ؛ كقولك . مررت بالظريف عمرو ، ونظرت إلى الكريم جعفر . فإن أردت أن تصف المصدر بعد إعمالك إياه قلت : عجبت من ضربك الشديد عمرا الضعيف ، أي عجبت من أن ضربت هذا الشديد ضربا ضعيفا . هذا تفسير المعنى . وهذا الموضع من هذا العلم كثير في الشعر القديم والمولّد . فإذا اجتاز بك شيء منه فقد عرفت طريق القول فيه ، والرفق به إلى أن يأخذ مأخذه بإذن اللّه تعالى . ومنه قول الحطيئة : أزمعت يأسا مبينا من نوالكم * ولن ترى طاردا للحزّ كالياس " 1 " أي يأسا من نوالكم مبينا . فلا يجوز أن يكون قوله ( من نوالكم ) متعلّقا بيأس وقد وصفه بمبين ، وإن كان المعنى يقتضيه ؛ لأن الإعراب مانع منه . لكن تضمر له ، حتى كأنك قلت : يئست من نوالكم . ومن تجاذب الإعراب والمعنى ما جرى من المصادر وصفا ؛ نحو قولك : هذا رجل دنف ، وقوم رضا ، ورجل عدل . فإن وصفته بالصفة الصريحة قلت : رجل دنف ، وقوم مرضيّون ، ورجل عادل . هذا هو الأصل . وإنما انصرفت العرب عنه في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين : أحدهما صناعىّ ، والآخر معنوىّ . أما الصناعىّ فليزيدك أنسا بشبه المصدر للصفة التي أوقعته موقعها ، كما أوقعت الصفة موقع المصدر ، في نحو قولك : أقائما والناس قعود ( أي تقوم قياما والناس قعود ) ونحو ذلك . وأما المعنوىّ فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل . وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه . ويدلّ على أن هذا معنى لهم ، ومتصوّر في نفوسهم قوله - ( فيما أنشدناه ) - :

--> ( 1 ) البيت من البسيط وهو للحطيئة في ديوانه ص 107 ، والأغانى 2 / 154 ، وحاشية يس 2 / 63 ، وحماسة البحتري ص 166 ، والدرر 5 / 251 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 916 ، ولسان العرب ( نسس ) ، والمحتسب 1 / 307 ، ومغنى اللبيب ص 2 / 588 ، وهمع الهوامع .