عثمان بن جني ( ابن جني )
435
الخصائص
أن يكون بين هاتين الحالين السنة والسنتان . فإن قلت ، فلعل هذا مما اكتفى فيه بذكر السبب - وهو الاختلال - من ذكر المسبّب عنه ، وهو المعرفة بذلك ، فيصير كأنه قال : لما عرفت اختلال حاله عمرتها . قيل : لو كان الأمر على ذلك لما عدوت ما كنا عليه ؛ ألا ترى أنه قد يعرف ذلك من حال صاحبه ، وهو معه في بلد واحد ( بل منزل واحد ) فيكون بين المعرفة بذلك والتغيير له الشهر والشهران والأكثر . فكيف بمن بينه وبينه الشقّة الشاسعة ، المحتاجة إلى المدّة المتراخية . فإن قيل : فيكون الثاني من هذا كالأوّل أيضا في الاكتفاء فيه بالمسبّب من السبب ، أي لمّا عرفت ذلك فكّرت في إصلاحه ، فاكتفى بالمسبّب الذي هو العمارة من السبب الذي هو الفكر فيه ، قيل : هذا وإن كان مثله مما يجوز فإنه ترك للظاهر ، وإبعاد في المتناول . ومع هذا فإنك كيف تصرّفت بك الحال إنما أوقعت الفكر في عمارة حاله بعد أن عرفت ذلك منها . فوقعت العمارة إذا بعد وقت المعرفة . فإذا كان كذلك ركبت سمت الظاهر ، فغنيت به عن التطالّ والتطاول . وعلى هذا يتوجّه عندي قول اللّه - سبحانه - : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [ الزخرف : 39 ] وذلك أن تجعل ( إذ ) بدلا من قوله ( اليوم ) ، وإلا بقيت بلا ناصب . وجاز إبدال ( إذا ) - وهو ماض ( في الدنيا ) - من قوله : ( اليوم ) وهو حينئذ حاضر في الآخرة ، لمّا كان عدم الانتفاع بالاشتراك في العذاب إنما هو مسبّب عن الظلم ، وكانت أيضا الآخرة تلى الدنيا بلا وقفة ولا فصل ، صار الوقتان على تباينهما ( وتنائيهما ) كالوقتين المقترنين ، الدانيين المتلاصقين ؛ نحو أحسنت إليه إذ شكرنى ، وأعطيته حين سألني . وهذا أمر استقرّ بيني وبين أبى علىّ - رحمه اللّه - مع المباحثة . وقد يجوز أيضا أن تنصب ( اليوم ) بما دلّ عليه قوله تعالى : مُشْتَرِكُونَ فيصير معناه لا إعرابه : ولن ينفعكم إذ ظلمتم اشتراككم اليوم في العذاب ، فينتزع من معنى ( مشتركون ) ما يعمل في ( اليوم ) على حدّ قولنا في قوله - سبحانه - أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [ هود : 8 ] في أحد الأقوال الثلاثة فيه ، وعلى قوله تعالى : يَوْمَ " 1 " يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ
--> ( 1 ) وفي البحر لأبى حيان ( 6 / 492 ) : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ منصوب باذكر وهو أقرب ، أو -