عثمان بن جني ( ابن جني )
436
الخصائص
لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : 22 ] وإذا أنت فعلت هذا أيضا لم تخرج به من أن يكون ( إذ ظلمتم ) في اللفظ معمولا لقوله ( لن ينفعكم ) لما ذكرنا من الجوار ، وتلوّ الآخرة الأولى بلا فصل . وكأنه إنما جاء هذا النحو في الأزمنة دون الأمكنة ، من حيث كان كلّ جزء من الزمان لا يجتمع مع جزء آخر منه ، إنما يلي الثاني الأوّل خالفا له ، وعوضا منه . ولهذا قيل - عندي - للدهر عوض - وقد ذكرت هذا في كتابي في التعاقب - فصار الوقتان كأنهما واحد ، وليس كذلك المكان ؛ لأن المكانين يوجدان في الوقت الواحد ( بل في أوقات كثيرة غير منقضية . فلمّا كان المكانان بل الأمكنة كلها تجتمع في الوقت الواحد ) والأوقات كلها ، لم يقم بعضها مقام بعض ولم يجر مجراه . فلهذا لا نقول : جلست في البيت من خارج أسكفّته ، وإن كان ذلك موضعا يجاور البيت ويماسّه ؛ لأن البيت لا يعدم فيكون خارج بابه نائبا عنه ، وخالفا في الوجود له ؛ كما يعدم الوقت فيعوّض منه ما بعده . فإن قلت : فقد تقول : سرت من بغداد إلى البصرة نهر الدير ، قيل : ليس هذا من حديث الجوار في شيء ، وإنما هو من باب بدل البعض ؛ لأنه بعض طريق البصرة ؛ يدلّ على ذلك أنك لا تقول : سرت من بغداد إلى البصرة ( نهر الأمير ؛ لأنه أطول من طريق البصرة ) زائد عليه ، والبدل لا يجوز إذا كان ( الثاني أكثر من الأوّل ، كما يجوز إذا كان ) الأوّل أكثر من الثاني ؛ ألا ترى أنهم لم يجيزوا أن يكون ( ربع ) من قوله : اعتاد قلبك من سلمى عوائده * وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به * وكلّ حيران سار ماؤه خضل " 1 "
--> - بفعل يدل عليه ( لا بشرى ) أي يمنعون البشرى ، ولا يعمل فيه ( لا بشرى ) لأنه مصدر ، ولأنه منفىّ بلا التي لنفى الجنس ؛ لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها . وكذا الداخلة على الأسماء عاملة عمل ليس . ( 1 ) البيتان من البسيط في شرح أبيات سيبويه 1 / 391 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 924 ، والكتاب 1 / 281 ، ومغنى اللبيب 2 / 601 ، ولسان العرب ( ذيع ) ، وتاج العروس ( ذيع ) . القواء : القفر .