عثمان بن جني ( ابن جني )

434

الخصائص

وأما تجاور الأحوال ( فهو غريب ) . وذلك أنهم لتجاوز الأزمنة ما يعمل في بعضها ظرفا ما لم يقع فيه من الفعل ، وإنما وقع فيما يليه ؛ نحو قولهم : أحسنت إليه إذ أطاعني ، وأنت لم تحسن إليه في أوّل وقت الطاعة ، وإنما أحسنت إليه في ثاني ذلك ؛ ألا ترى أن الإحسان مسبّب عن الطاعة ، وهي كالعلّة له ، ولا بدّ من تقدّم وقت السبب على وقت المسبّب ؛ كما لا بدّ من ذلك مع العلّة . لكنه لمّا تقارب الزمانان ، وتجاورت الحالان ، في الطاعة والإحسان ، أو الطاعة واستحقاق الإحسان ، صارا كأنهما إنما وقعا في زمان واحد . ودليل ذلك أن ( لمّا ) من قولك : لمّا أطاعني أحسنت إليه ، إنما هي منصوبة بالإحسان ، وظرف له ؛ كقولك : أحسنت إليه وقت طاعته ، وأنت لم تحسن إليه لأوّل وقت الطاعة ، وإنما كان الإحسان في ثاني ذلك أو ما يليه ، ومن شرط الفعل إذا نصب ظرفا أن يكون واقعا فيه أو في بعضه ؛ كقولك : صمت يوما ، وسرت فرسخا ، وزرتك يوم الجمع ، وجلست عندك . فكل واحد من هذه الأفعال واقع في الظرف الذي نصبه ، لا محالة ، ونحن نعلم أنه لم يحسن إليه إلا بعد أن أطاعه ؛ لكن لمّا كان الثاني مسببا عن الأوّل وتاليا له ، فاقتربت الحالان ، وتجاور الزمانان ، صار الإحسان كأنه إنما هو والطاعة في زمان واحد ، فعمل الإحسان في الزمان الذي يجاور وقته ؛ كما يعمل في الزمان الواقع فيه هو نفسه . فاعرفه . ومثله : لمّا شكرنى زرته ، ولمّا استكفانى كفيته ، وزرته إذ استزارنى ، وأثنيت عليه حين أعطاني ، وإذا أتيته رحب بي ، وكلما استنصرته نصرني ( أي كلّ وقت أستنصره فيه ينصرني ) ، وإنما ينصرك فيما بعد زمان الاستنصار . ويؤكّد عندك حال اتباع الثاني للأوّل وأنه ليس معه في وقته ، دخول الفاء في هذا النحو من الكلام ؛ كقولك : إذا سألته فإنه يعطيني ، وإذا لقيته فإنه يبشّ بي . فدخول الفاء هنا أوّل دليل على التعقيب ، وأن الفعلين لم يقعا معا في زمان واحد . وقد ذكرنا هذا ليزداد القول به وضوحا ، وإن كان ما مضى كافيا . ولمّا اطّرد هذا في كلامهم ، وكثر على ألسنتهم وفي استعمالهم ، تجاوزوه واتّسعوا فيه إلى ما تناءت حالاه ، وتفاوت زماناه . وذلك كأن يقول رجل بمصر في رجل آخر بخراسان : لمّا ساءت حاله حسّنتها ، ولمّا اختلّت معيشته عمرتها . ولعله