عثمان بن جني ( ابن جني )

403

الخصائص

باب القول على فوائت الكتاب اعلم أن الأمثلة المأخوذة على صاحبه سنذكرها ، ونقول فيها ما يدحض عنه ظاهر معرّتها لو صحّت عليه . ولو لم تكنّ فيها حيلة تدرأ شناعة إخلاله بها عنه ، لكانت معلاة له لا مزراة عليه ، وشاهدة بفضله ونقص المتتبّع ( له بها ) لا نقصه ، إن كان أوردها مريدا بها حطّ رتبته ، والغضّ من فضيلته . وذلك لكلفة هذا الأمر ، وبعد أطرافه ، وإيعار أكنافه أن يحاط بها ، أو يشتمل تحجّر عليها . وإن إنسانا أحاط بقاصى هذه اللغات المنتشرة ، وتحجّر أذراءها " 1 " المترامية ، على سعة البلاد ، وتعادى ألسنتها اللداد ، وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد ، حتى اغترق " 2 " جميع كلام الصرحاء والهجناء ، والعبيد والإماء ، في أطرار " 3 " الأرض ، ذات الطول والعرض ، ( ما بين ) منثور إلى منظوم ، ومخطوب به ( إلى مسجوع ) ، حتى لغات الرعاة الأجلاف ، والرواعى ذوات صرار " 4 " الأخلاف ، وعقلائهم والمدخولين ، وهذاتهم الموسوسين ، في جدّهم وهزلهم ، وحربهم وسلمهم ، وتغاير الأحوال عليهم ، فلم يخلل من جميع ذلك - على سعته وانبثاثه ، وتناشره واختلافه - إلا بأحرف تافهة المقدار ، متهافتة على البحث والاعتبار - ولعلها أو أكثرها مأخوذة عمّن فسدت لغته ، فلم تلزم عهدته - لجدير أن يعلم بذلك توفيقه ، وأن يخلّى له إلى غايته طريقه . ولنذكر ما أورد عليه معقّبا به ، ولنقل فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن اللّه . * * *

--> ( 1 ) أذراءها : أطرافها ، والمفرد ، ذرء . يقال : بلغني ذرء من خبر أي طرف منه . ( 2 ) اغترق : استوعب . ( 3 ) أطرار الأرض : نواحيها . والواحد طرّ بضم الطاء . ( 4 ) صرار الأخلاف : هو خيط يشدّ فوق الخلف لئلا يرضعها ولدها . والخلف للحيوان كالثدى للإنسان .