عثمان بن جني ( ابن جني )
328
الخصائص
باب في الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية " اعلم أن كل واحد من هذه الدلائل معتدّ مراعى مؤثر ؛ إلا أنها في القوّة والضعف على ثلاث مراتب : فأقواهنّ الدلالة اللفظية ، ثم تليها الصناعية ، ثم تليها المعنوية . ولنذكر من ذلك ما يصحّ به الغرض . فمنه جميع الأفعال . ففي كل واحد منها الأدلّة الثلاثة . ألا ترى إلى قام ، و ( دلالة لفظه على مصدره ) ودلالة بنائه على زمانه ، ودلالة معناه على فاعله . فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه . وإنما كانت الدلالة الصناعيّة أقوى من المعنويّة من قبل أنها وإن لم تكن لفظا فإنها صورة يحملها اللفظ ، ويخرج عليها ويستقرّ على المثال المعتزم بها . فلمّا كانت كذلك لحقت بحكمه ، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به ، فدخلا بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة " . وأما المعنى فإنما دلالته لاحقة بعلوم الاستدلال ، وليست في حيّز الضروريات ؛ ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه ، وزمانه ، ثم تنظر فيما بعد ، فتقول : هذا فعل ، ولا بدّ له من فاعل ، فليت شعري من هو ؟ وما هو ؟ فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل من هو وما حاله ، من موضع آخر لا من مسموع ضرب ؛ ألا ترى أنه يصلح أن يكون فاعله كلّ مذكّر يصحّ منه الفعل ، مجملا غير مفصّل . فقولك : ضرب زيد ، وضرب عمرو ، وضرب جعفر ، ونحو ذلك شرع سواء ، وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء ( ولا ) غيرهم خصوص ليس له بصاحبه ؛ كما يخصّ بالضرب دون غيره من الأحداث ، وبالماضي دون غيره من الأبنية . ولو كنت إنما تستفيد . الفاعل ( من لفظ ) ضرب لا معناه للزمك إذا قلت : قام أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما ، كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما ، وليس الأمر في هذا كذلك ، بل دلالة ضرب على الفاعل كدلالة قام ، وقعد ، وأكل وشرب وانطلق ، واستخرج عليه ، لا فرق بين جميع ذلك . فقد علمت أن دلالة المثال على الفاعل من جهة معناه ، لا من جهة لفظه ؛ ألا