عثمان بن جني ( ابن جني )

329

الخصائص

ترى أن كل واحد من هذه الأفعال وغيرها يحتاج إلى الفاعل حاجة واحدة ، وهو استقلاله به ، وانتسابه إليه ، وحدوثه عنه ، أو كونه بمنزلة الحادث عنه ، على ما هو مبيّن في باب الفاعل . وكان أبو علىّ يقوّى قول أبى الحسن في نحو قولهم : إني لأمرّ بالرجل مثلك : إن اللام زائدة ، حتى كأنه قال : إني لأمرّ برجل مثلك ، لمّا لم يكن الرجل هنا مقصودا معيّنا ، على قول الخليل : إنه تراد اللام في المثل ، حتى كأنه قال : إني لأمرّ بالرجل المثل لك ، أو نحو ذلك ؛ قال : لأن الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوي ، أي أن اللام ( في قول أبى الحسن ) ملفوظ بها ، وهي في قول الخليل مرادة مقدّرة . واعلم أنّ هذا القول من أبى علىّ غير مرضىّ عندي ؛ لما أذكره لك . وذلك أنه جعل لفظ اللام دلالة على زيادتها ، وهذا محال ، وكيف يكون لفظ الشئ دلالة على زيادته ، وإنما جعلت الألفاظ أدلّة على إثبات معانيها ، لا على سلبها ، وإنما الذي يدلّ على زيادة اللام هو كونه مبهما لا مخصوصا ؛ ألا ترى أنك لا تفصل بين معنيى قولك : إني لأمر برجل مثلك ، وإني لأمرّ بالرجل مثلك ، في كون كلّ واحد منهما منكورا غير معروف ، ولا مومأ به إلى شيء بعينه ؛ فالدلالة أيضا من هذا الوجه ( كما ترى ) معنويّة ؛ كما أن إرادة الخليل اللام في ( مثلك ) إنما دعا إليها جريه صفة على شيء هو في اللفظ معرفة ، فالدلالتان إذا كلتاهما معنويتان . ومن ذلك قولهم للسلّم : مرقاة ، وللدرجة مرقاة ، فنفس اللفظ يدلّ على الحدث الذي هو الرقىّ ، وكسر الميم يدل على أنها مما ينقل ويعتمل عليه ( وبه ) كالمطرقة والمئزر والمنجل ، وفتحة ميم مرقاة تدلّ على أنه مستقرّ في موضعه ، كالمنارة والمثابة . ولو كانت المنارة ممّا يجوز كسر ميمها لوجب تصحيح عينها ، وأن تقول فيها : منورة ( لأنه كانت ) تكون حينئذ منقوصة ، من مثال مفعال ؛ كمروحة ومسورة " 1 " ومعول ومجول " 2 " ، فنفس ( ر ق ى ) يفيد معنى الارتقاء ، و ( كسرة الميم وفتحتها تدلان ) على ما قدّمناه : من معنى الثبات أو الانتقال . وكذلك الضرب والقتل : نفس اللفظ يفيد الحدث فيهما ، ونفس الصيغة تفيد فيهما صلاحهما

--> ( 1 ) المسور والمسورة : متكأ من أدم ، وجمعها المساور . ( 2 ) المجول : ثوب صغير تجول فيه الجارية .