عثمان بن جني ( ابن جني )

292

الخصائص

ومن ذلك أنهم قالوا : أبيض لياح . فقلبوا الواو التي في تصريف لاح يلوح للكسرة قبلها ، على ضعف ذلك ؛ لأنه ليس جمعا كثياب ، ولا مصدرا كقيام . وإنما استروح إلى قلب الواو ياء لما يعقب من الخفّ ؛ كقولهم في صوار البقر : صيار ، وفي الصوان للتخت " 1 " صيان . ( وكان ) يجب على هذا أن متى زالت هذه الكسرة عن لام ( لياح ) أن تعود الواو . وقد قالوا مع هذا : أبيض لياح ، فأقرّوا القلب بحاله ، مع زوال ما كانوا سامحوا أنفسهم في القلب به على ضعفه . ووجه التأوّل منهم في هذا أن قالوا : لمّا لم يكن القلب مع الكسر عن وجوب واستحكام ، وإنما ظاهره وباطنه العدول عن الواو إلى الياء هربا منها إليها ، وطلبا لخفّتها ، لم تراجع الواو لزوال الكسرة ، إذ مثلها في هذا الموضع في غالب الأمر ساقط غير مؤثّر ؛ نحو خوان وزوان " 2 " وقوام وعواد مصدري قاومت وعاودت ، فمضينا على السمت في الإقامة على الياء . أفلا ترى إلى ضعف حكم الكسرة في ( لياح ) الذي كأن مثله قمنا بسقوطه لأدنى عارض يعرض له فينقضه ، كيف صار سببا وداعيا إلى استمراره والتعدّى به إلى ما يعرى منه ، والتعذر في إقرار الحكم به . وهذا ظاهر . ومن ذلك أن الادغام يكون في المعتل سببا للصحّة ؛ نحو قولك في فعّل من القول : قوّل ، وعليه جاء اجلوّاذ . والادغام نفسه يكون في الصحيح سببا للإعلال ؛ ألا تراهم كيف جمعوا حرّة بالواو والنون فقالوا : إحرّون " 3 " ؛ لأن العين أعلّت بالادغام ، فعوّضوا من ذلك الجمع بالواو والنون . وله نظائر . فاعرفه . * * *

--> ( 1 ) التخت : وعاء تصان فيه الثياب ، فارسي ، وقد تكلمت به العرب . اللسان ( تخت ) . ( 2 ) الزّوان بضم الزاي وكسرها : حب يخالط البرّ ، واحدته زوانة وزوانة . اللسان ( زون ) . ( 3 ) الحرّة : أرض ذات حجارة سود نخرات كأنها أحرقت بالنّار . والجمع حرّات وحرار وزعم يونس أنهم يقولون حرّة وحرّون ، وزعم يونس أيضا أنهم يقولون حرّة وإحرّون يعنى الحرار كأنه جمع إحرّة ، وبها أنشد ثعلب . اللسان ( حرر ) .