عثمان بن جني ( ابن جني )
256
الخصائص
باب في التغييرين يعترضان في المثال الواحد بأيهما يبدأ ؟ اعلم أن القياس يسوّغك أن تبدأ بأىّ العملين شئت : إن شئت بالأوّل ، وإن شئت بالآخر . أمّا وجه علّة الأخذ في الابتداء بالأوّل فلأنك إنما تغيّر لتنطق بما تصيّرك الصنعة إليه ، ( وإنما ) تبتدئ في النطق بالحرف من أوّله لا من آخره . فعلى هذا ينبغي أن يكون التغيير من أوّله لا من آخره ؛ لتجتاز بالحروف وقد رتّبت على ما يوجبه العمل فيها ، وما تصير بك الصنعة عليه إليها ، إلى أن تنتهى كذلك إلى آخرها فتعمل ما تعمله ، ليرد اللفظ بك مفروغا منه . وأمّا وجه علّة وجوب الابتداء بالتغيير من الآخر فمن قبل أنك إذا أردت التغيير فينبغي أن تبدأ به من أقبل المواضع له . وذلك الموضع آخر الكلمة لا أوّلها ؛ لأنه أضعف الجهتين . مثال ذلك قوله في مثال إوزّة من أويت : إيّاة . وأصلها إئوية . فإبدال الهمزة التي هي فاء واجب ، وإبدال الياء التي هي اللام واجب أيضا . فإن بدأت بالعمل من الأوّل صرت إلى إيوية ثم إلى إييية ثم إلى إيّاة . وإن بدأت بالعمل من آخر المثال صرت أوّل إلى إثواة ، ثم إلى إيواة ثم إلى إيّاة . ففرّقت العمل في هذا الوجه ، ولم تواله كما واليته في الوجه الأوّل ؛ لأنك لم تجد طريقا إلى قلب الواو ياء إلا بعد أن صارت الهمزة قبلها ياء . فلما صارت إلى إيواة أبدلتها ياء ، فصارت إيّاة ؛ كما ترى . ومن ذلك قوله في مثال جعفر من الواو : أوّى . وأصلها ووّو . وهاهنا عملان واجبان . أحدهما إبدال الواو الأولى همزة ؛ لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة . والآخر إبدال الواو الآخرة ياء ؛ لوقوعها رابعة وطرفا ؛ ثم إبدال الياء ألفا ؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها .