عثمان بن جني ( ابن جني )
257
الخصائص
فإن بدأت العمل من أوّل المثال صرت إلى أوّو ، ثم إلى أوّى ، ثم إلى أوّى ، وإن قدّرت ابتداءك العمل من آخره فإنك تتصور أنه كان ووّو ، ثم صار إلى ووّى ؛ ثم إلى ووّى ، ثم إلى أوّى . هكذا موجب القياس على ما قدّمناه . وتقول على هذا إذا أردت مثال فعل من وأيت : وؤى . ( فإن خففت الهمزة فالقياس أن تقرّ المثال على صحّة أوله وآخره ، فتقول : ووى ) فلا تبدل الواو الأولى همزة ؛ لأن الثانية ليست بلازمة فلا تعتدّ ؛ إنما هي همزة وؤى ، خففت فأبدلت في اللفظ واوا ، وجرت مجرى واو رويا تخفيف رؤيا . ولو اعتددتها واوا ألبتّة لوجب أن تبدلها للياء التي بعدها . فتقول : وىّ أو أىّ على ما نذكره بعد . وقول الخليل في تخفيف هذا المثال : أوى طريف وصعب ومتعب . وذلك أنه قدّر الكلمة تقديرين ضدّين ؛ لأنه اعتقد صحّة الواو المبدلة من الهمزة ، حتى ( قلب لها ) الفاء فقال : أوى . فهذا وجه اعتداده إياها . ثم إنه مع ذلك لم يعتددها ثابتة صحيحة ؛ ألا تراه لم يقلبها ياء للياء بعدها . فلذلك قلنا : إن في مذهبه هذا ضربا من التناقض . وأقرب ما يجب أن نصرفه إليه أن نقول : قد فعلت العرب مثله في قولهم : مررت بزيد ونحوه . ألا تراها تقدّر الباء تارة كالجزء من الفعل ، وأخرى كالجزء من الاسم . وقد ذكرنا هذا فيما مضى . يقول : فكذلك يجوز لي أنا أيضا أن أعتقد في العين من ووى من وجه أنها في تقدير الهمزة ، وأصحّها ولا أعلّها للياء بعدها ، ومن وجه آخر أنها في حكم الواو ؛ لأنها بلفظها ، فأقلب لها الفاء همزة . فلذلك قلت : أوى . وكأنّ ( أبا عمر ) أخذ هذا الموضع من الخليل ، فقال في همزة نحو رأس وبأس إذا خفّفت في موضع الردف جاز أن تكون ردفا . فيجوز عنده اجتماع راس وباس مع ناس . وأجاز أيضا أن يراعى ما فيها من نيّة الهمزة ، فيجيز اجتماع راس مع فلس ، وكأن أبا عمر إن كان أخذ هنا الموضع أعذر فيه من الخليل في مسألته تلك . وذلك أن أبا عمر لم يقض بجواز كون ألف راس ردفا وغير ردف في قصيدة واحدة ؛ وإنما أجاز ذلك في قصيدتين ، إحداهما قوافيها نحو حلس وضرس ، والأخرى قوافيها نحو ناس وقرطاس وقرناس . والخليل جمع في لفظة واحدة أمرين متدافعين . وذلك أن صحّة الواو الثانية في ووى مناف لهمزة الأولى