عثمان بن جني ( ابن جني )
214
الخصائص
وبعد فإذا عرف التوكيد لم وقع في الكلام - نحو نفسه وعينه وأجمع ، وكله وكلهم وكليهما وما أشبه ذلك - عرفت منه ( حال سعة ) المجاز في هذا الكلام ؛ ألا تراك قد تقول : قطع الأمير اللصّ ويكون القطع له بأمره لا بيده ، فإذا قلت : قطع الأمير نفسه اللصّ رفعت المجاز من جهة الفعل وصرت إلى الحقيقة ؛ لكن يبقى عليك التجوّز من مكان آخر وهو قولك : اللصّ وإنما لعلّه قطع يده أو رجله ؛ فإذا احتطت قلت : قطع الأمير نفسه يد اللصّ أو رجله . وكذلك جاء الجيش أجمع ، ولولا أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء بعضه - وإن أطلقت المجيء على جميعه - لما كان لقولك : أجمع معنى . فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها ؛ حتى إن أهل العربية أفردوا له بابا لعنايتهم به ، وكونه ممّا لا يضاع ولا يهمل مثله ؛ كما أفردوا لكل معنى أهمّهم بابا ؛ كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسم والجزاء ونحو ذلك . وبينت منذ قريب لبعض منتحلي هذه الصناعة هذا الموضع - أعنى ما في ضربت زيدا ، وخلق اللّه ونحو ذلك - فلم يفهمه إلا بعد أن بات عليه وراض نفسه فيه واطّلع في الموضع الذي أومأت له إليه ، فحينئذ ما تصوّره ، وجرى على مذهبه في أن لم يشكره . واعلم أن جميع ما أوردناه في سعة المجاز عندهم واستمراره على ألسنتهم يدفع دفع أبى الحسن القياس على حذف المضاف وإن لم يكن حقيقة . ( أولا ) يعلم أبو الحسن كثرة المجاز غيره ، وسعة استعماله وانتشار مواقعه ؛ كقام أخوك وجاء الجيش وضربت زيدا ونحو ذلك ، وكل ذلك مجاز ( لا حقيقة ) ( وهو على غاية الانقياد والاطراد . وكذلك أيضا حذف المضاف مجاز لا حقيقة ) وهو مع ذلك مستعمل . فإن احتجّ أبو الحسن بكثرة هذه المواضع ؛ نحو قام زيد وانطلق محمد وجاء القوم ونحو ذلك ، قيل له : وكذلك حذف المضاف قد كثر ؛ حتى إن في القرآن - وهو أفصح الكلام - منه أكثر من مائة موضع ، بل ثلاثمائة موضع ، وفي الشعر منه ما لا أحصيه .