عثمان بن جني ( ابن جني )
213
الخصائص
هنا تعريف الجنس ؛ كقولك : الأسد أشدّ من الذئب وأنت لا تريد أنك ( خرجت وجميع الأسد ) التي يتناولها الوهم على الباب . هذا محال ، واعتقاده اختلال . وإنما أردت : خرجت فإذا واحد من هذا الجنس بالباب . فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا ؛ لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه . أمّا الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد . وأمّا التوكيد فلأنك عظّمت قدر ذلك الواحد ، بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة . وأمّا التشبيه فلأنك شبّهت الواحد بالجماعة ؛ لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدا . وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر ، وانطلق محمد ، وجاء الليل وانصرم النهار . وكذلك أفعال القديم سبحانه ؛ نحو خلق اللّه السماء والأرض وما كان مثله ؛ ألا ترى - أنه عزّ اسمه - لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا ، ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما " 1 " من أفعالنا عزّ وعلا . وكذلك علم اللّه قيام زيد مجاز " 2 " أيضا ؛ لأنه ليست الحال التي علم عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو . ولسنا نثبت له سبحانه علما ؛ لأنه عالم بنفسه ، إلا أنه مع ذلك نعلم أنه ليست حال علمه بقيام زيد هي حال علمه بجلوس عمرو ونحو ذلك . وكذلك قولك : ضربت عمرا مجاز أيضا من غير جهة التجوّز في الفعل - وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه - ولكن من جهة أخرى ؛ وهو أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه ؛ ألا تراك تقول : ضربت زيدا ولعلّك إنما ضربت يده أو إصبعه أو ناحية من نواحي جسده ؛ ولهذا إذا احتاط الإنسان واستظهر جاء ببدل البعض ، فقال : ضربت زيدا وجهه أو رأسه . نعم ، ثم إنه مع ذلك متجوّز ؛ ألا ( تراه قد يقول ) : ضربت زيدا رأسه ، فيبدل للاحتياط وهو إنما ضرب ناحية من رأسه لا رأسه كله . ولهذا ما يحتاط بعضهم في نحو هذا ، فيقول : ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن أو ضربته أعلى رأسه الأسمق ؛ لأن أعلى رأسه قد تختلف أحواله ، فيكون بعضه أرفع من بعض .
--> ( 1 ) تراه يتبع المعتزلة . وأهل السنة لا يرون شيئا في خلق الكفر والعدوان ، ولا يخرج شيء عن خلقه وقدرته . ( 2 ) وتراه أيضا يتبع المعتزلة في نفى صفة العلم عن اللّه سبحانه ، ومذهب أهل السنة بخلاف ذلك .