عثمان بن جني ( ابن جني )
212
الخصائص
باب في أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة اعلم أن أكثر اللغة مع تأمّله مجاز لا حقيقة . وذلك عامّة الأفعال ؛ نحو قام زيد ، وقعد عمرو ، وانطلق بشر ، وجاء الصيف وانهزم الشتاء . ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية فقولك : قام زيد ، معناه : كان منه القيام أي هذا الجنس من الفعل ، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام ؛ وكيف يكون ذلك وهو جنس والجنس يطبّق " 1 " جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي الكائنات من كل من وجد منه القيام . ومعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد ( في وقت واحد ) ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم ؛ هذا محال عند كل ذي لبّ . فإذا كان كذلك علمت أنّ ( قام زيد ) مجاز لا حقيقة ، وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير . ويدلّ على انتظام ذلك لجميع جنسه أنك تعمله في جميع أجزاء ذلك الفعل ؛ فتقول : قمت قومة ، وقومتين ، ومائة قومة ، وقياما حسنا ، وقياما قبيحا . فإعمالك إيّاه في جميع أجزائه يدلّ على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها . وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل ؛ ألا تراك لا تقول : قمت جلوسا ، ولا ذهبت مجيئا ، ولا نحو ذلك لمّا لم تكن فيه دلالة عليه ؛ ألا ترى إلى قوله : لعمري لقد أحببتك الحبّ كله * وزدتك حبّا لم يكن قبل يعرف فانتظامه لجميعه يدلّ على وضعه على اغتراقه واستيعابه ) وكذلك قول الآخر : فقد يجمع اللّه الشتيتين بعد ما * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " 2 " فقوله ( كل الظنّ ) يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه . قال لي أبو علىّ : قولنا : قام زيد بمنزلة قولنا خرجت فإذا الأسد ، ومعناه أن قولهم : خرجت فإذا الأسد تعريفه
--> ( 1 ) يطبّق : أي يعم . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو للمجنون في ديوانه ص 243 ، وشرح التصريح 1 / 328 ، والمقاصد النحوية 3 / 42 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 2 / 213 ، وشرح الأشمونى 1 / 210 ، ولسان العرب ( شتت ) ، ويروى : ( وقد ) مكان ( فقد ) .