عثمان بن جني ( ابن جني )

21

الخصائص

الفاعل ، وحتى قال سيبويه فيهما : " وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم " خصّوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة : أحدهما تغيير صورة المثال مسندا إلى المفعول ، عن صورته مسندا إلى الفاعل ، والعدّة واحدة ؛ وذلك نحو ضرب [ زيد ] وضرب ، وقتل وقتل ، وأكرم وأكرم ، ودحرج ودحرج . والآخر أنهم لم يرضوا ولم يقنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدّة الحروف مع ضمّ أوّله ، كما غيّروا في الأوّل الصورة والصيغة وحدها . وذلك نحو قولهم : أحببته وحبّ ، وأزكمه اللّه وزكم ، وأضأده اللّه وضئد ، وأملاه اللّه وملئ . قال أبو علىّ : فهذا يدلّك على تمكّن المفعول عندهم ، وتقدّم حاله في أنفسهم ؛ إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل . وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم الذي قدّمت بابه ؛ ألا ترى أنهم لمّا غيروا الصيغة والعدّة واحدة في نحو ضرب وضرب و ( شتم وشتم ) تدرّجوا من ذلك إلى أن غيّروا الصيغة مع نقصان العدّة ؛ نحو أزكمه اللّه وزكم ، وآرضه اللّه وأرض . فهذا كقولهم في حنيفة : حنفىّ ، لمّا حذفوا هاء حنيفة حذفوا أيضا ياءها ؛ ولمّا لم يكن في حنيف تاء تحذف فتحذف لها الياء صحّت الياء ، فقالوا فيه : حنيفىّ . وقد تقدّم القول على ذلك . وهذا الموضع هو الذي دعا أبا العباس أحمد بن يحيى في كتاب فصيحه أن أفرد له بابا ، فقال : هذا باب فعل - بضمّ الفاء - نحو قولك : عنيت بحاجتك وبقيّة الباب . إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول ولا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة ؛ ألا تراهم يقولون : نخى زيد ؛ من النخوة ولا يقال : نخاه كذا ، ويقولون ( امتقع لونه ولا يقولون : امتقعه كذا ، ويقولون ) : انقطع بالرجل ولا يقولون انقطع به كذا . فلهذا جاء بهذا الباب ، أي ليريك أفعالا خصّت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل ؛ كما خصّت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول ؛ نحو قام زيد ، وقعد جعفر ، وذهب محمد ، وانطلق بشر . ولو كان غرضه أن يريك صورة ما لم يسمّ فاعله مجملا غير مفصّل على ما ذكرنا لأورد فيه نحو ضرب وركب وطلب وقتل وأكل وسمل وأكرم وأحسن إليه واستقصى عليه .