عثمان بن جني ( ابن جني )
190
الخصائص
لم يقل : كلاهما قد أقلعا وأنفه راب ؛ فيكون ما أنكرناه ؛ لكنه قد أعاد ( كلا ) أخرى غير الأولى ، فعاملها على لفظها . ولم يقبح ذلك ؛ لأنه قد فرغ من حديث الأولى ، ثم استأنف من بعدها أخرى ، ولم يجعل الضميرين عائدين إلى كلا واحدة . وهذا كقولك : من يقومون أكرمهم ، ومن يقعد أضربه . فتأتي ب ( من ) الثانية فتعاملها على ما تختار ممّا يجوز مثله . وهذا واضح فاعرفه . ولا يحسن " ومنهم من يستمعون إليك حتى إذا خرج من عندك " لما ذكرنا . وأما قول الفرزدق : وإذا ذكرت أباك أو أيّامه * أخزاك حيث تقبّل الأحجار " 1 " - يريد الحجر - فإنه جعل كلّ ناحية حجرا ؛ ألا ترى أنك لو مسست كل ناحية منه لجاز أن تقول : مسست الحجر . وعليه شابت مفارقه ، وهو كثير العثانين . وهذا عندي هو سبب إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد . وأمّا قوله : فقلنا أسلموا إنّا أخوكم * فقد برئت من الإحن الصدور " 2 " فيجوز أن يكون جمع أخ قد حذفت نونه للإضافة ، ويجوز أن يكون واحدا وقع موقع الجماعة ؛ كقوله : * ترى جوانبها بالشحم مفتوقا * وقد توضع من للتثنية ؛ وذلك قليل ؛ قال : * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " 3 " *
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للفرزدق في ديوانه 1 / 372 ، ولسان العرب ( حجر ) ، وتاج العروس ( حجر ) . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لعباس بن مرداس في ديوانه ص 52 ، ولسان العرب ( أخا ) ، والمقتضب 2 / 174 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 4 / 285 ، وتذكرة النحاة ص 144 ، وجمهرة اللغة ص 1307 ، وخزانة الأدب 4 / 478 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو للفرزدق في ديوانه 2 / 329 ، وتخليص الشواهد ص 142 ، والدرر 1 / 284 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 84 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 536 ، والكتاب 2 / 416 ، ومغنى اللبيب 2 / 404 ، والمقاصد النحوية 1 / 461 ، وبلا نسبة في شرح الأشمونى 1 / 69 ، -