عثمان بن جني ( ابن جني )
166
الخصائص
أقرب إلى النجاة ، وأبعد عن الملحاة " 1 " ؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله ، إدلالا بقوّة طبعه ، ودلالة على شهامة نفسه . ومثله سواء ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال : أيرى البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم ، لكنا نرى أن في الثناء بإنفاقها عوضا من حفظها ( بإمساكها ) . ونحو منه قولهم : تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها ، وقول الآخر : لا خير في طمع يدنى إلى طبع * وغفّة من قوام العيش تكفيني " 2 " فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه ، وأن الشاعر إذا أورد منه شيئا فكأنه لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبا ، ولا جشم إلا أمما " 3 " ، وافق بذلك قابلا له ، أو صادف غير آنس به ، إلا أنه هو قد استرسل واثقا ، وبنى الأمر على أن ليس ملتبسا . ومن ذلك قوله : فأصبحت بعد خطّ بهجتها * كأنّ قفرا رسومها قلما " 4 " أراد : فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خطّ رسومها . ففصل بين المضاف الذي هو ( بعد ) ، والمضاف إليه الذي هو ( بهجتها ) بالفعل الذي هو ( خطّ ) وفصل أيضا بخطّ بين ( أصبحت ) وخبرها الذي هو ( قفرا ) ، وفصل بين كأنّ واسمها الذي هو ( قلما ) بأجنبيّين : أحدهما قفرا ، والآخر : رسومها ؛ ألا ترى أن رسومها مفعول خطّ الذي هو خبر كأنّ ، وأنت لا تجيز كأنّ خبزا زيدا آكل . بل إذا لم تجز الفصل بين الفعل والفاعل على قوّة الفعل في نحو كانت زيدا الحمّى تأخذ كان ألا
--> ( 1 ) الملحاة : اللوم . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو لثابت بن قطنة في لسان العرب ( طبع ) ، وتاج العروس ( غفف ) ، وأمالي المرتضى 1 / 408 ، وله أو لعروة بن أذينة في تاج العروس ( طبع ) ، وهو في ديوان عروة بن أذينة ص 386 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( غفف ) ، ومجمل اللغة 4 / 5 ، ومقاييس اللغة 4 / 375 ، والمخصص 3 / 69 ، وديوان الأدب 3 / 26 ، وأساس البلاغة ( غفف ) . الطبع : العيب . والغفة : ما يتبلغ به ويقتات . ( 3 ) الأمم : اليسير . ( 4 ) البيت من المنسرح ، وهو لذي الرمة في ملحق ديوانه ص 1909 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 431 ، وخزانة الأدب 4 / 418 ، ولسان العرب ( خطط ) .