عثمان بن جني ( ابن جني )
165
الخصائص
أراد : فقد بيّن لي صرد يصيح بوشك فراقهم ، والشكّ عناء . ففيه من الفصول ما أذكره . وهو الفصل بين ( قد ) والفعل الذي هو بيّن . ( وهذا ) قبيح لقوّة اتصال ( قد ) بما تدخل عليه من الأفعال ؛ ألا تراها تعتدّ مع الفعل كالجزء منه . ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على ( قد ) في نحو قول اللّه تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [ الزمر : 65 ] ، وقوله سبحانه : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [ البقرة : 102 ] وقوله : ولقد أجمع رجلىّ بها * حذر الموت وإني لفرور وفصل بين المبتدأ الذي هو الشكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله : ( بيّن لي ) ، وفصل بين الفعل الذي هو ( بيّن ) وبين فاعله الذي هو ( صرد ) بخبر المبتدأ الذي هو ( عناء ) ، وقدّم قوله : ( بوشك فراقهم ) وهو معمول ( يصيح ) ويصيح صفة لصرد على صرد ، وتقديم الصفة أو ما يتعلّق بها على موصوفها قبيح ؛ ألا ترى أنك لا تجيز هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا ؛ لأنك تريد : هذا رجل ورد اليوم من موضع كذا . وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل ، فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها ، كذلك لا يجوز تقديم ما اتّصل بها على موصوفها ، كما لا يجوز تقديم معمول المضاف إليه على نفس المضاف ، لمّا لم يجز تقديم المضاف إليه عليه . ولذلك لم يجز قولك : القتال زيدا حين تأتى ، وأنت تريد : القتال حين تأتى زيدا . فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها ، وانخراق الأصول بها ، فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلّ من وجه على جوره وتعسّفه ، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه " 1 " ، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته ، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته . بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام ، ووارد الحرب الضروس حاسرا من غير احتشام ، فهو وإن كان ملوما في عنفه وتهالكه ، فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته ؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر في سلاحه ، أو أعصم بلجام جواده ، لكان
--> ( 1 ) يقال : تخمط الفحل : هدر وثار . وتخمط : تكبر .