عثمان بن جني ( ابن جني )
163
الخصائص
فأمّا قوله : فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت * فطعنة لا غسّ ولا بمغمّر " 1 " فذهب أبو زيد إلى أنه أراد : إن ينج منها فلم أرقه ، وقدّم الجواب . وهذا عند كافّة أصحابنا غير جائز ، والقياس له دافع ، وعنه حاجز . وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط ، ومحال تقدّم المجزوم على جازمه ؛ بل إذا كان الجارّ - وهو أقوى من الجازم ؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال - لا يجوز تقديم ما انجرّ به عليه كان ألا يجوز تقديم المجزوم على جازمه أحرى وأجدر . وإذا كان كذلك فقد وجب النظر في البيت . ووجه القول عليه أن الفاء في قوله : ( فلم أرقه ) لا يخلو أن تكون معلّقة بما قبلها ، أو زائدة ، وأيّهما كان فكأنه قال : لم أرقه إن ينج منها ؛ وقد علم أنّ لم أفعل ( نفى فعلت ) ، وقد أنابوا فعلت عن جواب الشرط ، وجعلوه دليلا عليه في قوله : يا حكم الوارث عن عبد الملك * أوديت ان لم تحب حبو المعتنك " 2 " أي إن لم تحب أوديت . فجعل ( أوديت ) المقدّمة دليلا على ( أوديت هذه المؤخّرة . فكما جاز أن تجعل فعلت دليلا على ) جواب الشرط المحذوف ، كذلك جعل نفيها الذي هو لم أفعل دليلا على جوابه . والعرب قد تجرى الشئ مجرى نقيضه ؛ كما تجريه مجرى نظيره ؛ ألا تراهم قالوا : جوعان " 3 " ؛ كما قالوا : شبعان ،
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لزهير بن مسعود في لسان العرب ( غسس ) ، ونوادر أبى زيد ص 70 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 626 ، وجمهرة اللغة ص 133 ، وكتاب العين 4 / 417 . والغس : الضعيف اللئيم . المغمر : الجاهل الذي لم يجرّب الأمور . ( 2 ) الرجز لرؤبة في ديوانه ص 118 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 52 ، وشرح قطر الندى ص 209 ، وللعجاج في اللمع في العربية ص 194 ، وبلا نسبة في الإنصاف ص 628 ، وشرح المفصل 2 / 3 ، والمعاني الكبير ص 870 ، والمقتضب 4 / 208 ، وديوان الأدب 2 / 18 ، وكتاب الجيم 2 / 225 ، 273 ، وأساس البلاغة ( نوخ ) . يريد الحكم بن عبد الملك بن مروان . والمعتنك : البعير يصعد في العانك من الرمل ، وهو المتعقد منه . والبعير قد يحبو حتى يقطعه . ( 3 ) ذلك أن جوعان فعله جاع على فعل - بفتح العين - وفعلان قياس في الوصف من فعل - بكسر العين كشبع ، وإنما قياس الوصف من جاع جائع ، ولكن جاء الوصف على وازن ضدّه وهو شبعان فقيل : جوعان . ( نجار ) .