عثمان بن جني ( ابن جني )
150
الخصائص
كان يراه أبو الحسن من أن يكون ( بينكم ) وإن كان منصوب اللفظ مرفوع الموضع بفعله ، غير أنه أقرّت نصبة الظرف وإن كان مرفوع الموضع ؛ لاطّراد استعمالهم إياه ظرفا . إلا أن استعمال الجملة التي هي صفة للمبتدأ مكانه أسهل من استعمالها فاعلة ؛ لأنه ليس يلزم أن يكون المبتدأ اسما محضا كلزوم ذلك في الفاعل ؛ ألا ترى إلى قولهم : تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه ؛ أي سماعك به خير من رؤيته . وقد تقصّينا ذلك في غير موضع . وقد حذفت الصفة ودلّت الحال عليها . وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم : سير عليه ليل ، وهم يريدون : ليل طويل . وكأنّ هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دلّ من الحال على موضعها . وذلك أنك تحسّ في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله : طويل أو نحو ذلك . وأنت تحسّ هذا من نفسك إذا تأمّلته . وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه ، فتقول : كان واللّه رجلا ! فتزيد في قوّة اللفظ ب ( اللّه ) هذه الكلمة ، وتتمكّن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها ( وعليها ) أي رجلا فاضلا أو شجاعا أو كريما أو نحو ذلك . وكذلك تقول : سألناه فوجدناه إنسانا ! وتمكّن الصوت بإنسان وتفخّمه ، فتستغنى بذلك عن وصفه بقولك : إنسانا سمحا أو جوادا أو نحو ذلك . وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت : سألناه وكان إنسانا ! وتزوى وجهك وتقطّبه ، فيغنى ذلك عن قولك : إنسانا لئيما أو لجزا أو مبخلا أو نحو ذلك . فعلى هذا وما يجرى مجراه تحذف الصفة . فأمّا إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإنّ حذفها لا يجوز ؛ ألا تراك لو قلت : وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلّة على رجل ، أو رأينا بستانا وسكتّ لم ( تفد بذلك ) شيئا ؛ لأن هذا ونحوه ممّا لا يعرى منه ذلك المكان ، وإنما المتوقّع أن تصف من ذكرت أو ما ذكرت . فإن لم تفعل كلّفت علم ما ( لم تدلل ) عليه ؛ وهذا لغو من الحديث وجور في التكليف . ومن ذلك ما يروى في الحديث : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أي لا صلاة كاملة أو فاضلة ، ونحو ذلك . وقد خالف في ذلك من لا يعدّ خلافه خلافا .