عثمان بن جني ( ابن جني )
136
الخصائص
باب في حمل الأصول على الفروع قال أبو عثمان : لا يضاف ضارب إلى فاعله ؛ لأنك لا تضيفه إليه مضمرا ، فكذلك لا تضيفه إليه مظهرا . قال : وجازت إضافة المصدر إلى الفاعل لمّا جازت إضافته إليه مضمرا . كأن أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب المضمر فقدّمه ، وحمل عليه المظهر ؛ من قبل أن المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر . وذلك أن المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة - وهو التنوين - من المظهر . ولذلك لا يجتمعان في نحو ضاربانك وقاتلونه ؛ من حيث كان المضمر بلطفه وقوّة اتصاله ( مشابها للتنوين بلطفه وقوّة اتصاله ) وليس كذلك المظهر لقوّته ووفور صورته ؛ ألا تراك تثبت معه التنوين فتنصبه ؛ نحو ضاربان زيدا ، وقاتلون عمرا . فلمّا كان المضمر ممّا تقوى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر - وإن كان هو الأصل - عليه ، وأصاره - لما ذكرناه - إليه . ومن ذلك قولهم : إنما استوى النصب والجرّ في المظهر في نحو رأيت الزيدين ، ومررت بالزيدين لاستوائهما في المضمر ؛ نحو رأيتك ومررت بك . وإنما كان هذا الموضع للمضمر حتى حمل عليه حكم المظهر من حيث كان المضمر عاريا من الإعراب ، ( فإذا ) عرى منه جاز أن يأتي منصوبه بلفظ مجروره ، وليس كذلك المظهر ؛ لأن باب الإظهار أن يكون موسوما بالإعراب ، فلذلك حملوا الظاهر على المضمر في التثنية وإن كان المظهر هو الأصل ؛ إذ كان المراعى هنا أمرا غير الفرعيّة والأصليّة ، وإنما هو أمر الإعراب والبناء . وإذا تأمّلت ذلك علمت أنك في الحقيقة إنما حملت فرعا على أصل لا أصلا على فرع ؛ ألا ترى أن المضمر أصل في عدم الإعراب ، فحملت المظهر عليه ؛ لأنه فرع في البناء ؛ كما حملت المظهر على المضمر في باب الإضافة ؛ من حيث كان المضمر هو الأصل في مشابهته التنوين والمظهر فرع عليه في ذلك ؛ لأنه إنما ( يتأصّل ) في الإعراب لا في البناء . فإذا بدهتك هذه المواضع فتعاظمتك فلا تخنع لها ، ولا تعط باليد مع أوّل ورودها ، وتأتّ لها ، ولا طف بالصنعة ما يورده الخصم منها ، مناظرا كان أو خاطرا . وباللّه التوفيق .