عثمان بن جني ( ابن جني )
96
الخصائص
والتحامل به لكان مطيقا له ، مقتدرا عليه ، وليس في هذا من التغزل ما في الاعتراف بالبعل " 1 " به ، وخور الطبيعة عن الاستقلال بمثله ؛ ألا ترى إلى قول عمر [ ابن أبي ربيعة ] : فقلت لها : ما بي لهم من ترقّب * ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلي " 2 " وكذلك قول الأعشى : * وهل تطيق وداعا أيّها الرجل " 3 " * وكذلك قول الآخر : ودّعته بدموعى يوم فارقني * ولم أطق جزعا للبين مدّ يدي " 4 " والأمر في هذا أظهر ، وشواهده أيسر وأكثر . ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا . وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بدّ فيه من المواضعة ، قالوا : وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا ، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات ، فيضعوا لكل واحد [ منها ] سمة ولفظا ، إذا ذكر عرف به ما مسماه ، ليمتاز من غيره ، وليغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين ، فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلف إحضاره ، لبلوغ الغرض في إبانة حاله . بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه ، كالفانى ، وحال اجتماع الضدّين على المحل الواحد ، كيف يكون ذلك لو جاز ، وغير هذا مما هو جار في الاستحالة والبعد مجراه ،
--> ( 1 ) البعل : الضجر والتبرم بالشئ ، والبعل : أيضا : الدّهش عند الروع . اللسان ( بعل ) . ( 2 ) من قصيدة له مطلعها : جرى ناصح بالودّ بيني وبينها * فقرّبنى يوم الحصاب إلى قتلى وقبله : فقالت - وأرخت جانب الستر بيننا - * : معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي وانظر الديوان . والحصاب - بزنة كتاب - : موضع رمى الجمار بمنى . ( نجار ) . ( 3 ) البيت من البسيط ، وهو للأعشى في ديوانه ص 105 ، ولسان العرب ( جهنم ) ، ومقاييس اللغة 4 / 126 ، وتاج العروس ( ودع ) . ( 4 ) هذا البيت أوّل ثلاثة أبيات في المختار من شعر بشار 248 ، وفيه : " صافحته " بدل " ودّعته " . . ( نجار ) .