عثمان بن جني ( ابن جني )
97
الخصائص
فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم ، فأومئوا إليه ، وقالوا : إنسان إنسان إنسان فأىّ وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق ، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك ، فقالوا : يد ، عين ، رأس ، قدم ، أو نحو ذلك . فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيّها ، وهلم جرّا فيما سوى هذا من الأسماء ، والأفعال ، والحروف . ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها ، فتقول : الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مرد " 1 " ، والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سر ؛ وعلى هذا بقيّة الكلام . وكذلك لو بدأت اللغة الفارسية ، فوقعت المواضعة عليها ، لجاز أن تنقل ويولّد منها لغات كثيرة : من الرومية ، والزنجية ، وغيرهما . وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصّنّاع لآلات صنائعهم من الأسماء : كالنجّار ، والصائغ والحائك ، والبناء ، وكذلك الملاح . قالوا : ولكن لا بدّ لأوّلها من أن يكون متواضعا بالمشاهدة والإيماء . قالوا : والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدا من عباده على شيء ؛ إذ قد ثبت أن المواضعة لا بدّ معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه ، والمشار نحوه ، والقديم سبحانه لا جارحة له ، فيصحّ الإيماء والإشارة بها منه ؛ فبطل عندهم أن تصح المواضعة على اللغة منه ، تقدّست أسماؤه ؛ قالوا : ولكن يجوز أن ينقل اللّه اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها ، بأن يقول : الذي كنتم تعبّرون عنه بكذا عبّروا عنه بكذا ، والذي ( كنتم تسمّونه ) كذا ينبغي أن تسمّوه كذا ؛ وجواز هذا منه - سبحانه - كجوازه من عباده . ومن هذا الذي في الأصوات ما يتعاطاه الناس الآن من مخالفة الأشكال ، في حروف المعجم ؛ كالصورة التي توضع للمعمّيات " 2 " ، والتراجم " 3 " ؛ وعلى ذلك أيضا اختلفت أقلام ذوى اللغات ؛ كما
--> ( 1 ) مرد : هو الإنسان أو الرجل في الفارسية ، وسر : الرأس في الفارسية كذلك . ( 2 ) يريد بالمعميات ما عمى وألغز في الرسم والكتابة . وذلك ما يكتب بصورة مصطلح عليها غير الاصطلاح المألوف . ومن أمثلة ذلك أن يكتب الكاف بدل الميم ، والطاء بدل الحاء ، والراء بدل الدال ، فيكتب محمد : كطكر . وهو ما يعرف في اصطلاح العصر بالشفرة . ( 3 ) والتراجم جمع الترجمة وهو المعمى نفسه ، ويقال له المترجم ؛ كأنه سمى بذلك لما أنه يحتاج إلى الترجمة والكشف عنه . وقد كان المتقدمون يعرفون هذا ، وعقد له في صبح الأعشى بابا طويلا - ص 231 ج 9 - ، وذكر أن لابن الدريهم كتابا فيه . وقد نقل عنه قدرا صالحا في هذا العلم . وانظر في فن المعمى بوجه عام الخزانة 113 / 3 .