عثمان بن جني ( ابن جني )

95

الخصائص

قيل : اعتمد " 1 " ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة ، ولا بدّ لكل كلام مفيد من الاسم ، وقد تستغنى الجملة المستقلّة عن كل واحد من الحرف والفعل ، فلمّا كانت الأسماء من القوّة والأوّلية في النفس والرتبة ، على ما لا خفاء به جاز أن يكتفى بها مما هو تال لها ، ومحمول في الحاجة إليه عليها . وهذا كقول المخزومىّ : اللّه يعلم ما تركت قتالهم * حتى علوا فرسى بأشقر مزبد " 2 " أي فإذا كان اللّه يعلمه فلا أبالي بغيره سبحانه ، أذكرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهده . ولا يريد بذلك أنّ هذا أمر خفىّ ، فلا يعلمه إلا اللّه وحده ، بل إنما يحيل فيه على أمر واضح ، وحال مشهورة حينئذ ، متعالمة . وكذلك قول الآخر : اللّه يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى أحبابنا صور " 3 " وليس بمدّع أن هذا باب مستور ، ولا حديث غير مشهور ، حتى إنه لا يعرفه أحد إلا اللّه وحده ، وإنما العادة في أمثاله عموم معرفة الناس به لفشوّه فيهم ، وكثرة جريانه على ألسنتهم . فإن قيل : فقد جاء عنهم في كتمان الحب وطيّه وستره والبجح " 4 " بذلك ، والادّعاء له ما لا خفاء به ؛ فقد ترى إلى اعتدال الحالين فيما ذكرت . قيل : هذا وإن جاء عنهم ، فإن إظهاره أنسب " 5 " عندهم وأعذب على مستمعهم ؛ ألا ترى أن فيه إيذانا من صاحبه بعجزه عنه وعن ستر مثله ، ولو أمكنه إخفاؤه

--> ( 1 ) ضبط بالبناء للفاعل ، أي اعتمد ذلك اللّه تعالى ، وقد اعتمدت في هذا الضبط على ما في المخصص ص 4 ج 1 . ( نجار ) . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو للمخزومى في المخصص ( 1 / 4 ) . ( 3 ) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( صور ) ، ( شرى ) ، ( آ ) ، ( وا ) ، وتاج العروس ( صور ) ، ( نظر ) ، ( شرى ) ، والمخصص ( 12 / 103 ) . ( 4 ) البجح : الفرح ، وتبجح بالشئ : فخر به ، وفلان يتبجح علينا ويتمجح إذا كان يهذى به إعجابا . اللسان ( بجح ) . ( 5 ) أي أرّق نسيبا وأغزل .