عثمان بن جني ( ابن جني )
75
الخصائص
يكون من الفقر " 1 " إلى غيره ، على ما قدّمناه ، فكان إلى الاعتقاد المحتاج إلى البيان أقرب ، وبأن يعبّر به عنه أليق . فاعرف ذلك . فإن قيل : ولم وضع الكلام على ما كان مستقلا بنفسه البتّة ، والقول على ما قد يستقلّ بنفسه ، وقد يحتاج إلى غيره ؟ الاشتقاق قضى بذلك ؟ أم لغيره من سماع متلقّى بالقبول والاتباع ؟ قيل : لا ، بل لاشتقاق قضى بذلك دون مجرّد السماع . وذلك أنا قد قدّمنا في أوّل القول من هذا الفصل أنّ الكلام إنما هو من الكلم ، والكلام والكلوم وهي الجراح ؛ لما يدعو إليه ، ولما يجنيه في أكثر الأمر على المتكلمة ، وأنشدنا في ذلك قوله : * وجرح اللسان كجرح اليد " 2 " * ومنه قوله : قوارص تأتيني ويحتقرونها * وقد يملا القطر الإناء فيفعم " 3 " ونحو ذلك من الأبيات ، التي جئنا بها هناك وغيرها ، مما يطول به الكتاب ، وإنما ينقم من القول ويحقر ، ما ينثى " 4 " ويؤثر ، وذلك ما كان منه تامّا غير ناقص ، ومفهوما غير مستبهم ، وهذه صورة الجمل ، وهو ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، غير محتاج إلى متمّم له ، فلهذا سمّوا ما كان من الألفاظ تامّا مفيدا كلاما ؛ لأنه في غالب الأمر وأكثر الحال مضرّ بصاحبه ، وكالجارح له . فهو إذا من الكلوم التي هي الجروح . وأمّا القول فليس في أصل اشتقاقه ما هذه سبيله ؛ ألا ترى أنا قد عقدنا تصرف " ق ول " وما كان أيضا من تقاليبها الستة ، فأرينا أنّ جميعها إنما هو
--> ( 1 ) في عبارة اللسان : " المفتقر " . ( نجار ) . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو للفرزدق في ديوانه 2 / 195 ، ولسان العرب ( قرص ) ، وتهذيب اللغة ( 8 / 366 ) ، وجمهرة اللغة ص 937 ، وتاج العروس ( قرص ) ، وأساس البلاغة ( قرص ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 742 ، ومقاييس اللغة 5 / 71 ، ومجمل اللغة 4 / 153 ، وكتاب العين 5 / 61 . ( 4 ) يقال : نثا الحديث والخبر نثوا : حدّث به وأشاعه وأظهره . ونثا عليه قولا : أخبر به عنه ؛ و . . . والنثا في الكلام يطلق على القبيح والحسن ، يقال : ما أقبح نثاه وما أحسن نثاه . اللسان : ( نثا ) .