عثمان بن جني ( ابن جني )
76
الخصائص
للإسراع والخفّة ، فلذلك سموا كل ما مذل " 1 " به اللسان من الأصوات قولا ، ناقصا كان ذلك أو تامّا . وهذا واضح مع أدنى تأمّل . واعلم أنه قد يوقع كل واحد من الكلام والقول موقع صاحبه ، وإن كان أصلهما قبل ما ذكرته ؛ ألا ترى إلى رؤبة كيف قال : لو أنني أوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل " 2 " يريد قول " 3 " اللّه عز وجل قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] وعلى هذا اتسع فيهما جميعا اتساعا واحدا ، فقال أبو النجم : قالت له الطير تقدم راشدا * إنك لا ترجع إلا حامدا " 4 " وقال الآخر : وقالت له العينان : سمعا وطاعة * وأبدت كمثل الدر لمّا يثقب " 5 " وقال الراجز :
--> ( 1 ) مذل به : أي سمح به وسهل عليه . ( 2 ) الرجز لرؤبة بن العجاج في ديوانه ص 131 ، ولسان العرب ( حكل ) ، ( فطحل ) ، وتهذيب اللغة 4 / 101 ، وجمهرة اللغة ص 562 ، ومجمل اللغة 2 / 94 ، وتاج العروس ( حكل ) ، ( فطحل ) وبلا نسبة في المخصص 2 / 122 ، وديوان الأدب 1 / 158 ، ومقاييس اللغة 2 / 91 . ويروى : أو بدلا من لو ، وقبلهما : * فقلت قول مرس ذي قحل * الحكل : العجم من الطيور والبهائم ، والحكل من الحيوان ما لا يسمع له صوت كالذّرّ والنّمل ، وأصل الحكلة كالعجمة لا يبين صاحبها الكلام . اللسان : ( حكل ) . ( 3 ) كأنه يريد أن حديث النملة أشبه بالاعتقاد فكان الأجدر به القول الذي يستعمل في الرأي والاعتقاد لخفائه ، فاستعمال الكلام فيه من إيقاع الكلام موقع القول . ( نجار ) . والأولى - واللّه أعلم - أن يقال إنه نظر إلى اللفظ في كل من بيت رؤبة والآية ، فبيت رؤبة حكى ما كان من النمل بلفظ ( الكلام ) لا القول ، والآية حكته بلفظ القول ( قالت نملة ) فكان ذلك من رؤبة إيقاعا للفظ الكلام موضع القول . ( 4 ) الرجز لأبى النجم في لسان العرب ( قول ) ، وأساس البلاغة ( قول ) ، وتاج العروس ( قول ) . ( 5 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( قول ) ، وتاج العروس ( قول ) . ويروى عجزه هكذا : وحدرتا كالدّرّ ، بدلا من : وأبدت كمثل الدر .