عثمان بن جني ( ابن جني )
72
الخصائص
فهذا أمر قدمناه أمام القول على الفرق بين الكلام والقول ؛ ليرى منه غور هذه اللغة الشريفة ، الكريمة اللطيفة ، ويعجب من وسيع مذاهبها ، وبديع ما أمدّ به واضعها ومبتدئها . وهذا أوان القول على الفصل . أما الكلام فكل لفظ مستقلّ بنفسه ، مفيد لمعناه . وهو الذي يسميه النحويون الجمل ، نحو زيد أخوك ، وقام محمد ، وضرب سعيد ، وفي الدار أبوك ، وصه ، ومه ، ورويد ، وحاء وعاء في الأصوات ، وحسّ ، ولبّ " 1 " ، وأفّ ، وأوّه . فكل لفظ استقل بنفسه ، وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام . وأما القول فأصله أنه كل لفظ مذل " 2 " به اللسان ، تامّا كان أو ناقصا . فالتامّ هو المفيد ، أعنى الجملة وما كان في معناها ، من نحو صه ، وإيه . والناقص ما كان بضدّ ذلك ، نحو زيد ، ومحمد ، وإن ، وكان أخوك ، إذا كانت الزمانية لا الحدثية " 3 " . فكل كلام قول ، وليس كل قول كلاما . هذا أصله . ثم يتّسع فيه ؛ فيوضع القول على الاعتقادات والآراء ؛ وذلك نحو قولك : فلان يقول بقول أبي حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، ونحو ذلك ، أي يعتقد ما كانا يريانه ، ويقولان به ، لا أنه يحكى لفظهما عينه ، من غير تغيير لشيء من حروفه ؛ ألا ترى أنك لو سألت رجلا عن علّة رفع زيد ، من نحو قولنا : زيد قام أخوه ، فقال لك : ارتفع بالابتداء لقلت : هذا قول البصريين . ولو قال : ارتفع بما يعود عليه من ذكره لقلت : هذا قول الكوفيين ، أي هذا رأى هؤلاء ، وهذا اعتقاد هؤلاء . ولا تقوا : كلام البصريين ، ولا كلام الكوفيين ، إلا أن تضع الكلام موضع القول ، متجوّزا
--> ( 1 ) لب : في معنى لبيك في لغة بعض العرب ، وهو في هذه الحالة يجرى مجرى أمس وغاق . انظر اللسان . ( نجار ) . ( 2 ) في اللسان : مذلت نفسه بالشئ مذلا ، ومذلت مذالة : طابت وسمحت ، ورجل مذل النفس والكفّ واليد : سمح ، ومذل بماله ، ومذل : سمح . فإذا قيل مذل لسانه بكذا أي : سمح به وسهل عليه . ( 3 ) يقصد بكان الزمانية : الناقصة كما في قولك : كان زيد مسافرا ، وسماها بالزمانية لدلالتها على الزمن الماضي ، أما الحدثية فيقصد بها كان التامّة في نحو قولهم : إذا كان الشتاء فأدفئونى * فإن الشيخ يهرمه الشتاء فمعنى ( إذا كان الشتاء ) أي ( إذا حدث الشتاء ووقع ) فلذا سمّاها بالحدثية لدلالتها على الحدث والوقوع . واللّه أعلم .