عثمان بن جني ( ابن جني )
73
الخصائص
بذلك . وكذلك لو قلت : ارتفع لأن عليه عائدا من بعده ، أو ارتفع لأن عائدا عاد إليه ، أو لعود ما عاد من ذكره ، أو لأنّ ذكره أعيد عليه ، أو لأن ذكرا له عاد من بعده ، أو نحو ذلك ، لقلت في جميعه : هذا قول الكوفيين ، ولم تحفل باختلاف ألفاظه ؛ لأنك إنما تريد اعتقادهم لا نفس حروفهم . وكذلك يقول القائل : لأبى الحسن في هذه المسألة قول حسن ، أو قول قبيح ، وهو كذا ، غير أنى لا أضبط كلامه بعينه . ومن أدلّ الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا : القرآن كلام اللّه ، ولا يقال : القرآن قول اللّه ؛ وذلك أنّ هذا موضع ضيق متحجّر ، لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه . فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتا تامّة مفيدة ، وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتا غير مفيدة ، وآراء معتقدة . قال سيبويه : " واعلم أنّ " قلت " في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا " . ففرق بين الكلام والقول كما ترى . نعم وأخرج الكلام هنا مخرج ما قد استقرّ في النفوس ، وزالت عنه عوارض الشكوك . ثم قال في التمثيل : " نحو قلت زيد منطلق ؛ ألا ترى أنه يحسن أن تقول : زيد منطلق " فتمثيله بهذا يعلم منه أنّ الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، مستقلا بمعناه ، وأنّ القول عنده بخلاف ذلك ؛ إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدّم الفصل بينهما ، ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلّة بأنفسها ، الغانية عن غيرها ، وأنّ القول لا يستحقّ هذه الصفة ، من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا ، وإن لم تكن كلاما ، ومن حيث كان الاعتقاد والرأي قولا ، وإن لم يكن كلاما . فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلاما ، فإن قلت شارطا : إن قام زيد ، فزدت عليه " إن " رجع بالزيادة إلى النقصان ، فصار قولا لا كلاما ؛ ألا تراه ناقصا ، ومنتظرا للتمام بجواب الشرط . وكذلك لو قلت في حكاية القسم : حلفت باللّه ، أي كان قسمي هذا لكان كلاما ، لكونه مستقلا ، ولو أردت به صريح القسم لكان قولا ، من حيث كان ناقصا ؛ لاحتياجه إلى جوابه . فهذا ونحوه من البيان ما تراه . فأمّا تجوّزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا