عثمان بن جني ( ابن جني )

67

الخصائص

مما تقتضيه صناعة الاشتقاق ؛ لأن ذلك إنما يلتزم فيه شرج " 1 " واحد من تتالى الحروف ، من غير تقليب لها ولا تحريف . وقد كان الناس : أبو بكر رحمه اللّه وغيره من تلك الطبقة ، استسرفوا " 2 " أبا إسحاق رحمه اللّه ، فيما تجشمه من قوّة حشده ، وضمّه شعاع ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله . فأمّا أن يتكلّف تقليب الأصل ، ووضع كل واحد من أحنائه موضع صاحبه ، فشىء لم يعرض له ولا تضمّن عهدته . وقد قال أبو بكر : " من عرف أنس ، ومن جهل استوحش " وإذا قام الشاهد والدليل ، وضح المنهج والسبيل . وبعد فقد ترى ما قدّمنا في هذا أنفا " 3 " ، وفيه كاف من غيره ؛ على أن هذا وإن لم يطّرد وينقد في كل أصل ، فالعذر على كل حال فيه أبين منه في الأصل الواحد ، من غير تقليب لشيء من حروفه ، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضيّة الاشتقاق له كان فيما تقلبت أصوله : فاؤه وعينه ، ولامه ، أسهل ، والمعذرة فيه أوضح . وعلى أنك إن أنعمت النظر ولا طفته ، وتركت الضجر وتحاميته ، لم تكد تعدم قرب بعض من بعض ، وإذا تأمّلت ذاك وجدته بإذن اللّه .

--> ( 1 ) الشرج - بالجيم - : الضّرب ؛ يقال : هما شرج واحد ، وعلى شرج واحد ، أي : ضرب واحد ، ويقال : هو شريج هذا وشرجه ، أي : مثله . اللسان ( شرج ) . ( 2 ) استسرفت فلانا - بسينين مهملتين بينهما تاء فوقانية - أي : عددته مسرفا ، وهو يعنى : أن النحاة - أبا بكر بن السّرّاج وغيره - كانوا يعدّون أبا إسحاق الزجّاج من المسرفين المغالين في هذا الباب ، أعنى : طرده الاشتقاق بأنواعه فيما يعن له عند النظر في معنى كلمة ، أو في معرفة أصل حرف من حروف الكلمة - : الفاء ، والعين ، واللام . وانظر في استسراف النحويين للزجاج في طرده الاشتقاق : ترجمته في " معجم الأدباء " ( 1 / 144 ) طبعة الحلبي . ( 3 ) " أنفا " على وزن عنق ، أي : لم يسبق به ، وأصله من قولهم : " روضة أنف " : لم يرعها أحد ، وفي المحكم : أي : لم توطأ ، ومن ذلك سمّى الإمام المحدث أبو القاسم السهيلي شرحه على " سيرة ابن هشام " ب " الرّوض الأنف " . ومن ذلك - أيضا - قال المعتزلة : " إن الأمر أنف " يعنى : أن اللّه لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها أما قبل وقوعها فلا ، يعنى : أن الأشياء لا تعلم قبل وقوعها ؛ فالأمر أنف ؛ تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ، علم سبحانه ما كان وما هو كائن ، وما سيكون وما سوف يكون ، بل ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، نسأل اللّه الهدى !