عثمان بن جني ( ابن جني )
455
الخصائص
باب في قلب لفظ إلى لفظ بالصنعة والتلطف لا بالإقدام والتعجرف أما ما طريقه الإقدام من غير صنعة فنحو ما قدّمناه آنفا من قولهم : ما أطيبه وأيطبه ، وأشياء في قول الخليل و ( قسىّ ) وقوله ( أخو اليوم اليمى ) . فهذا ونحوه طريقه طريق الاتساع في اللغة من غير تأتّ ولا صنعة . ومثله موقوف على السماع ، وليس لنا الإقدام عليه من طريق القياس . فأمّا ما يتأتّى له ويتطرّق إليه بالملاينة والإكثاب ، من غير كدّ ولا اغتصاب ، فهو ما ( عليه عقد هذا الباب ) . وذلك كأن يقول لك قائل : كيف تحيل لفظ ( وأيت إلى لفظ أويت ) فطريقه أن تبنى من ( وأيت ) فوعلا ، فيصير بك التقدير فيه إلى ( ووأى ) فتقلب اللام ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فيصير ( ووأي ) ثم تقلب الواو الأولى همزة ؛ لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة فيصير ( أوأى ) ثم تخفّف الهمزة فتحذفها ، وتلقى حركتها على الواو قبلها ، فيصير ( أوا ) اسما كان أو فعلا . فقد رأيت كيف استحال لفظ ( وأي ) إلى لفظ ( أوا ) من غير تعجرف ولا تهكّم على الحروف . وكذلك لو بنيت مثل فوعال لصرت إلى ( ووآى ) ثم إلى ( أوآى ) ثم ( أوآء ) ثم تخفّف فيصير إلى ( أواء ) فيشبه حينئذ لفظ ( آءة ) " 1 " أو أويت . أو لفظ قوله : * فأوّ لذكراها إذا ما ذكرتها * وقد فعلت العرب ذلك ؛ منه قولهم : ( أوار النار ) وهو وهجها ولفحها ، ذهب فيه الكسائىّ مذهبا حسنا - وكان هذا الرجل كثيرا في السداد والثقة عند أصحابنا - قال : هو ( فعال ) من وأرت الإرة " 2 " أي احتفرتها لإضرام النار فيها . وأصلها ( وآر ) ثم خفّفت الهمزة فأبدلت في اللفظ [ واوا ] فصارت ( ووار ) فلمّا التقت في أول
--> ( 1 ) الآءة شجرة عندهم وأصلها : أوأة بالتحريك . ( 2 ) الإرة : موقد النار .