عثمان بن جني ( ابن جني )
44
الخصائص
بشكل يولد في النفس - عند نطق الكلمة - إحساسا بثقلها وبغضها ، والنفور منها ، وهي دلالة لا تتفجر من الكلمة السابقة " 1 " . ونؤيد ما ذكر ونتممه ببيان أوجه المناسبة بين السمات الصوتية لتلك الكلمة ودلالتها فنقول : إن الناظر في مناسبة تلك الكلمة لدلالتها لا يحتاج أكثر من أن يتأمل طريقة نطقه بها ، وأن ينظر إلى هيئة الفم حال النطق بها ، حيث نلاحظ أن النطق بحرف الضاد مصحوبا بحركة ياء المد يجعل الفم منفتحا بدرجة كبيرة سببها أن مخرج الضاد من حافة اللسان مما يلي الأضراس فإذا جاءت الضاد مصحوبة بالمد بالياء ، فإن ذلك يؤدى إلى انفتاح الفم انفتاحا أفقيا إلى هذه الدرجة التي هي أشبه بهيئة المشمئز من الشئ ، ويزداد الاقتراب في الشبه بهذه الهيئة حينما ينتقل الفم فجاءة من نطق الشين ذات الكسرة الطويلة إلى نطق الزاي ذات الفتحة الطويلة ( المد بالألف ) مما يؤدى إلى انتقال الفم من الانفتاح الأفقى العرضي إلى الانفتاح الرأسى الطولى ليوحى بهذه الطريقة الإشارية المتولدة من نطق هذه الكلمة بدلالة النفور والاشمئزاز من تلك القسمة الجائرة التي تبعث على الاشمئزاز والأنفة من تلك العقول الفاسدة التي سوغت أن يكون الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا بينما هم لا يرضون بالإناث لأنفسهم فيتخلصون منهم بالقتل والوأد . ويمكننا أن نقف كذلك عند الدلالة الصوتية لكلمة " اثاقلتم " من قوله تعالى في سورة التوبة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [ التوبة : 38 ] لتلك الكلمة يستشعر صعوبة واضحة في نطقها ، وليست خفيفة الوقع كذلك على الأذن ، وذلك على خلاف ما نراه في كلمة بديلة وهي " تثاقلتم " بيد أن الأول بتشكيلها الصوتي أقوى من تصوير المراد والإيحاء به ، إذ ترسم صورة مجسمة للتباطؤ الشديد ، وتثير في خيال قارئها وسامعها صورة ذلك الجسم المثاقل يرفعه الرافعون في جهد فيسقط من أيديهم في ثقل " 2 " وحينما نوازن بين السمات الصوتية لهذه الكلمة وبين سياقها نجد أنها قد جاءت معبرة تمام التعبير عن الفكرة التي سيقت لأجلها ؛ حيث نلاحظ
--> ( 1 ) انظر سيد قطب ، التصوير الفنى في القرآن ( دار الشروق ) ص 76 . ( 2 ) انظر سيد قطب ، التصوير الفنى في القرآن ( دار الشروق ) ص 76 .