عثمان بن جني ( ابن جني )

45

الخصائص

أن حرف الثاء قد جاء مكررا وهو حرف يخرج مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا فهو قريب المخرج ، وتكرره بالتشديد يصور هيئة المتثاقل المتباطئ فهو لا يبرح مكانه بل يتردد فيه ، كما أن النطق لا يزال يتردد في مخرج الثاء يكرره ولا يبرحه ثم يأتي المد ليصور لك أن هذا المتثاقل لا يتحرك ولا يمتد إلا في مكانه ، فهو مد خاص بهذا الحرف القريب المخرج ( الثاء ) الذي لا يكاد النطق يبرحه تارة بتشديده وتكريره وتارة بمده ، ثم ها هو المد يبلغ أقصاه حيث مخرج القاف أقصى اللسان ، وهنا يظن الظان أن المتثاقل قد تحرك شيئا أو جاوز مكانه فإذا به يرتد تارة أخرى إلى مكانه الذي قد قام منه وهو منطقة طرف اللسان حيث الثاء واللام والتاء ، بل إنه يتساقط ويتأخر عن مكان ابتدائه حيث يرتد إلى مخرج الميم عند الشفتين ، ولا شك أن المرء حينما ينطق بهذه الكلمة لا يكاد يصل إلى نطق تلك الميم الساكنة ، وخاصة مع إيحاء هذا المقطع الأخير ( تم ) حتى يستشعر أن شيئا قد سقط على الأرض فجأة محدثا هذا الصوت . وكأن النطق بهذه الكلمة يصور هيئة المتثاقل المتساقط وهو يتردد في قيامه ويتلعثم فيه ويتمادى في تباطئه وذلك في نطق الثاء المشددة الممدودة ، ثم لا يلبث أن ينهض حتى يتساقط مرتدا إلى مكان قيامه أو متجاوزا عنه إلى الخلف قليلا ، فهو لا يكاد يقوم حتى يسقط وهنا نستشعر أن الكلمة بسماتها الصوتية موحية ومعبرة عن معنى التثاقل والتباطؤ بدرجة فنية عالية لا تستطيع أن توحى بها دلالتها المعجمية وحدها . على أن في الآية كلمة أخرى لا تقل دلالتها الصوتية عن دلالة تلك الكلمة في التعبير عن ذلك التثاقل والخلود إلى الأرض والركون إلى الدعة والراحة ، ألا وهي كلمة ( الأرض ) وذلك أنك إذا تأملت وقوفك على الضاد الساكنة بما لها من صفات الاستطالة والانبساط والتفشى لاستشعرت فيها ما يوحى به نطق الضاد من استطالة الركود والانبساط فيه ، وتفشى هؤلاء المتثاقلين واسترخائهم وتمددهم في التصاقهم بالأرض واستنامتهم إليها . إنها دلالة لا تلوح بها الدلالة المعجمية للكلمة ، من قريب ولا من بعيد وإنما تنفرد بها الدلالة الصوتية لهذا الحرف في ذلك النسق والسياق الدلالى . مثال ثالث من القرآن الكريم وذلك كلمة " يصطرخون " من قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي